وكذلك في الخطاب النبوي برمته . فالمقصود في نهاية المطاف هو نزع القداسة عن العصبيات القديمة عن طريق تقديس العصبيات الجديدة .
وينطبق الشيء ذاته على الثروات والأملاك . فلا قداسة لها إذا كانت عند الخصم ، ولكن يعاد تقديسها عندما تصبح ملكا للمؤمنين الذين « يطهرّونها » أو ينظّفونها عن طريق الزكاة أو الصدقة المقدّمة إلى الفقراء ، واليتامى ، والمسافرين . وهكذا نلاحظ أن البعد الاجتماعي والسياسي مرتبط دائما بالذروة الدينية العليا التي تضفي المشروعية على الأشياء .
نقول ذلك ولا سيما أن المستفيدين المعدودين في الآية 60 من السورة آتون اجتماعيا من ظروف التجنيد والحرب المفروضة على حزب المؤمنين « * » . وبالتالي ، فإن الأمر يتعلّق ، موضوعيا ، بصدام عنيف حاصل بين نظامين من أنظمة العصبية والتضامن . وهما نظامان يؤسّسان سلطتين متنافستين . وعلى الرغم من أصوله الآنية والدنيوية ، فإن النظام الذي سيصبح فيما بعد « إسلاميا » سوف يحافظ بفضل القرآن وتوسعاته التفسيرية على قيمة مقدّسة ومقدّسة « 1 » .
والشيء الأكثر دلالة وأهمية هنا هو كيفية معالجة مكانة الشخص البشري ضمن هذا السياق من الصراع الهادف إلى السيطرة على السلطة الكاملة ( أي من دون مشاركة أحد ) .
فبقدر ما أنّ المؤمنين والمؤمنات قد رفعوا إلى مرتبة مادية وقانونية وأخلاقية وروحية مثالية ( انظر كل الآيات التي تخاطبهم مباشرة « * * » ) ، بقدر ما أن الكفّار ، والفاسقين ، والمنافقين ، والبدو ( الأعراب ) يعاملون معاملة قاسية جدا وسلبية تماما . فمصيرهم ، بحسب الخطاب القرآني ، الموت ، والشناعة ، والنجاسة ، والعذاب الأبدي ، وانعدام الكرامة الإنسانية ( أي لا
هامش
* تقول الآية 60 ما يلي : « إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم » .
( 1 ) إن الوظيفة التقديسية التي تتمتع بها الثروات المادية واضحة جدا في ما يدعونه بالأوقاف الإسلامية .
ولكن على مستوى المرحلة الخاصة بالعمل النبوي ، فإن الأمر كان يتعلق بإحلال نمط من الدمج الاجتماعي محل نمط آخر ( أي بإحلال الإسلام محل الجاهلية ) .
* * الآيات التي ترفع من قيمة الفئة الجديدة الصاعدة ( أي المؤمنين ) تتلو مباشرة أو تسبق الآيات التي تخفض من قيمة الفئة الاجتماعية القديمة التي أخذت تنهزم وتفقد مواقعها تدريجيا ( أي المدعوة بالكافرين ) .
لنستمع إلى بعضها :وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ الآيتان 71 - 72 ] . أما الآيات التي تهاجم الفئة المضادة فتقول مثلا :الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ[ الآيتان 67 - 68 ] .