عن طريق النصّ الذي ثبّت حرفيا أو كتابيا بعد القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي . إن كلّية النص المثبّت على هذا النحو كانت قد عوملت بصفتها كتابا واحدا أو عملا متكاملا « * » .
إن كل كلمة من الكلمات التي شدّدنا عليها تتطلّب شروحات وإضاءات سوف تتيح لنا إذا ما أنجزت أن نقدّم منهجية وإشكالية من أجل إتمام الدراسة .
1 - إن القرآن مدوّنة متجانسة وليس عبارة عن مدونة - عيّنة ( أو متخذة كعيّنة ) ومقتطعة اعتباطيا بواسطة قواعد مسبقة في البحث . كل العبارات التي يحتويها كانت قد أنتجت في نفس الوضعية العامة للكلام ( أو نفس الظرف العام للخطاب ) « * * » .
لنذكّر هنا بالتحديد الذي يقدّمه المختصّون عن هذا المصطلح الألسني . يقولون :
« ندعو الوضعية العامة للخطاب مجمل الظروف التي جرى في داخلها فعل كلامي ( سواء أكان مكتوبا أم شفهيا ) . ويخصّ ذلك في آن معا المحيط الفيزيائي - المادي والاجتماعي الذي نطق فيه هذا الكلام ، كما ويخصّ الصورة التي شكّلها المستمعون عن الناطق لحظة تفوهه بالخطاب ، ويخصّ هوية هؤلاء ، والفكرة التي يشكّلها كل واحد منهم عن الآخر ( بما في ذلك التصوّر الذي يمتلكه كل واحد عن رأي الآخر فيه ) . كما ويخصّ الأحداث التي سبقت مباشرة عملية التلفظ بالقول ( وبخاصة العلاقات التي كان المتخاطبون يتعاطونها فيما بينهم ) ، ثم بشكل أخصّ التبادلات الكلامية التي اندرج فيها الخطاب المعنيّ » « 1 » .
قد يبدو من غير المعقول أو المحتمل أن يكون الخطاب القرآني متجانسا ومنسجما ، خاصة إذا ما علمنا أنه استمر على مدى عشرين عاما « * * * » . كان المسلمون قد أنشئوا علما
هامش
* القرآن لم يثبّت كليا أو نهائيا في عهد عثمان على عكس ما نظن . وإنما ظل الصراع حوله محتدما حتى القرن الرابع الهجري حين أغلق نهائيا باتفاق ضمني بين السنّة والشيعة . وذلك لأن استمرارية الصراع كانت ستضرّ بكلا الطرفين . بعدئذ أصبح معتبرا كنصّ نهائي لا يمكن أن نضيف إليه أي شيء أو نحذف منه أي شيء . وأصبحوا يعاملونه كعمل متكامل على الرغم من تنوّع سوره واختلافها فيما بينها من حيث الموضوعات والأساليب .
* * المدوّنة هي المصطلح العربي المقابل للمصطلح الفرنسي. Corpusوكان يمكن أن نترجمه بالمجموعة النصية أو النصوصية . فالقرآن مشكل من مجموعة نصوص ( أو سور ) مختلفة الطول . وأما مصطلح الظرف العام للخطاب فيقابله بالفرنسية المصطلح التالي :discoursdesituation. laوهو يعني أن كل خطاب أو كلام يقال داخل ظرف معين أو أحوال معينة . والذين يحضرون الجلسة التي قيل فيها هذا الكلام يفهمونه بشكل أفضل من الغائبين الذين يطلعون عليه قراءة .
( 1 ) انظر القاموس الموسوعي لعلوم اللغة تأليف الباحثين : تزفتان تودوروف ، وإزوالد ديكرو : ،O . Ducrot. 417 .p، 1972 ،Seuil،Paris،langagedusciencesdesencyclopediqueDictionnaire:T . Todorov* * * التجانس الذي يتحدث عنه أركون ليس التجانس الظاهري السطحي . فمن الواضح أن هناك اختلافات كثيرة ، بل وكبيرة ، بين سور القرآن المختلفة . فأحيانا ينتقل القرآن فجأة من موضوع إلى آخر لا -