إن هذه المكوّنات الفكرية التي ذكرناها بعبارات عمومية جدا لكي تشمل المثال اليهودي والمسيحي قد اتخذت مع القرآن تدقيقات يجدر التنبيه إليها . ينبغي أن نعلم أن تعبير « أهل الكتاب » الوارد في القرآن يشير إلى الكتاب السماوي بصيغة المفرد لأن جميع الأنبياء السابقين على محمد قد تلقوا رسالات صادرة عن النموذج المثالي الأعلى للكتاب أو : أمّ الكتاب كما يقول القرآن ( انظر بهذا الصدد الآية السابعة من سورة آل عمران ) . وهذا الكتاب الأعلى أو أمّ الكتاب مصون في اللوح المحفوظ ( انظر بهذا الصدد الآية الثانية والعشرين من سورة البروج ) . يحصل ذلك كما لو أن كتب الوحي المتتابعة ليست إلّا طبعات أرضية لهذا الكتاب السماوي والنموذجي الأعلى ، أي أمّ الكتاب . وهذا الاعتقاد تترتب عليه نتائج وانعكاسات مطلوب من إعادة القراءة أن تتفحّصها بكل انتباه .
وأول هذه الانعكاسات أو النتائج ما يلي : المعرفة في « أمّ الكتاب » متصوّرة وكأنها كلّية ، صحيحة ، أزلية وأبدية . كما أنها صحيحة ، ولكنها جزئية وعرضة للتنقيح والتعديل والمراجعة ( أو الناسخ / والمنسوخ ) في الطبعات الأرضية . يضاف إلى ذلك أن التوصل إلى المعنى الصحيح لكلام اللّه المتجلّي أو الموحى به يتوقف على صلاحية تقنيّات التأويل أو التفسير . وينتج عن ذلك توجّه ما وشيوع أشكال نمطية من المعرفة في مجتمعات الكتاب .
أما النتيجة الثانية المترتبة على هذا الاعتقاد فتتمثّل فيما يلي : إنّ علوم اللغة تميل إلى أن تحتل المرتبة الأولى أو الخطوة الأولى في تنظيم المعرفة ككل داخل هذا النوع من المجتمعات . ولكننا نلاحظ في الوقت ذاته أن هذه العلوم تعتمد في أن معا على نظام العقائد / واللاعقائد المفروض من قبل الكتاب السماوي ( انظر بهذا الصدد النظريات المتعلقة بأصل اللغة أو منشئها : هل هي معطى من اللّه أم اصطلاح ؟ . . ) ، كما تتوقف على الأطر الاجتماعية - الثقافية للمعرفة . وهي أطر خاصة بكل عصر وكل وسط اجتماعي ، وتختلف من هذا العصر إلى ذاك ، ومن هذا المجتمع إلى ذاك . وبالتالي فمن الضروري أن نبيّن إلى أي مدى يمكن وصف جدلية الكتابات المقدسة - القراءات « 1 » بصفتها انعكاسا للجدلية الاجتماعية في مجتمعات الكتاب السماوي ومحفّزا لهذه الجدلية .
وهكذا تتعقّد المهام اللغوية والسيميائية الدلالية لإعادة القراءة عن طريقة إضافة منهجيات علم الاجتماع وعلم النفس التاريخي إليها . والواقع أنه في كل هذه الذرى تعاش وتتجسد الجدلية الكليانية الكائنة بين المعنى والوجود ( وليس الجدلية المتشظية أو المتبعثرة على عدّة مستويات أو وجهات نظر اختصاصية ) .
هامش
( 1 ) لشرح هذه الصياغة التعبيرية أو المفهومية ، انظر كتاب محمد أركون : مقالات في الفكر الإسلامي ( بالفرنسية ) ، مرجع مذكور سابقا ، ص 186 وما بعدها .