وإذا ثبت أنهم غير مضطرّين إلى أفعالهم ولم يجز أن يكلّفوا ترك القبيح لما تقدّم ذكره ، فلا بدّ إذا علمنا أن القبيح لا يقع منهم من أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا ، وإنّما يكونوا ملجئين بأن يعلمهم اللّه تعالى أنهم متى حاولوا القبيح منعوا منه . وقد ثبت في الشاهد أن الإلجاء يقع بهذا الوجه مع غلبة الظنّ وتظاهر الأمارات ، فبأن يقع مع العلم أولى .
ويمكن أن يلجأ بوجه آخر ، وهو : أن يعلمهم استغناءهم عن القبيح بالحسن المطابق لأغراضهم وشهواتهم مع ما في القبيح من المضمرة ، فيكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوه ، ويخالف حالهم في ذلك حال القديم تعالى إذا لم يفعل القبيح لقبحه ؛ لأن المنافع والمضارّ لا يجوزان عليه تعالى ، فالإلجاء فيه غير متصوّر .
وليس يجب إذا كانوا متصوّرين للمضرّة في القبح أن يكونوا في الحال مغمومين وعلى مضرّة ؛ لأن تصوّر المضرّة في المستقبل لا يوجب في الحال ، لا سيّما إذا كان الوصول إليها مأمونا ، والوجه الأوّل كأنه أبين وأوضح « 1 » .
هامش
( 1 ) الذخيرة : 524 .