تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فقد قيل : إن الشيطان ربما تمثل بصورة البشر . وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر ؛ لأنه قال : من رآني فقد رآني ، فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية ، وفي النوم لا رائي له في الحقيقة ولا مرئي ، وإنّما ذلك في اليقظة . ولو حملناه على النوم ، لكان تقدير الكلام : من اعتقد أنه يراني في منامه وإن كان غير راء له في الحقيقة ، فهو في الحكم كأنه قد رآني . وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته . وهذا الّذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسد تحقيقا من كلّ شيء قيل في أسباب المنامات . وما سطر في ذلك معروف غير محصل ولا محقّق ؛ فأمّا ما يهذي إليه الفلاسفة ، فهو ممّا يضحك الثكلى ؛ لأنهم ينسبون ما صحّ من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها أشرفت على ما يكون . وهذا الّذي يذهبون إليه في الحقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط ، فكيف إذا أضيف إليه الاطّلاع على عالمها . وما هذا الاطّلاع وإلى أي يشيرون بعالم النفس ؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع ؟ . فكلّ هذا زخرفة ومخرقة وتهاويل لا يتحصّل منها شيء وقول صالح فيه « 1 » - مع أنه تجاهل محض - أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة ؛ لأن صالحا ادعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه ، فلم يشر إلى أمر غير معقول ولا مفهوم ، بل ادعي ما ليس بصحيح وإن كان مفهوما ، وهؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد ، ولا يعقل مع قوّة التأمّل ، والفرق بينهما واضح . وأمّا سبب الإنزال ، فيجب أن يبنى على شيء تحقيق سبب الانزال في اليقظة مع الجماع ، ليس هذا ممّا يهذي به أصحاب الطبائع ؛ لأنا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له ، وأن الإحالة فيه على سراب لا يتحصّل . وإنّما سبب الانزال أن اللّه أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع ، وإن كان هذا الاعتقاد باطلا . والحمد للّه « 2 » .
هامش
( 1 ) كذا والظاهر « صالح قبة » . ( 2 ) الرسائل ، 2 : 9 - : 14 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 284 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي