تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
الجواب : قلنا : أمّا ظاهر القرآن فليس يدلّ على أنّ أيوب عليه السّلام عوقب بما نزل به من المضارّ ، وليس في ظاهره شيء مما ظنّه السائل ؛ لأنّه تعالى قال :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
« 1 » والنصب هو التعب ، وفيه لغتان : بفتح النون والصاد ، وضمّ النون وتسكين الصاد . والتعب هو المضرّة الّتي لا تختصّ بالعقاب ، وقد تكون على سبيل الامتحان والاختبار . وأمّا العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضارّ الّتي [ لا ] يختصّ إطلاق ذكرها بجهة دون جهة . ولهذا يقال للظالم والمبتدىء بالظلم : إنّه معذّب ومضرّ ومؤلم ، وربّما قيل : معاقب على سبيل المجاز . وليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب ؛ لأنّ لفظة العقاب يقتضي ظاهرها الجزاء ؛ لأنّها من التعقيب والمعاقبة ، ولفظة العذاب ليست كذلك ، فأمّا إضافته ذلك إلى الشيطان - وإنّما ابتلاه اللّه به - فله وجه صحيح ؛ لأنّه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان ، وإنّما أضاف إليه ما كان يستضرّ به من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء ، ودعائه له إلى التضجّر والتبرّم مما هو عليه ، ولأنّه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه ويتجنّبوه ويستخفّوه لما كان عليه من الأمراض الشنيعة المنتنة ، ويخرجوه من بينهم . وكلّ هذا ضرر من جهة اللعين إبليس ، وقد روي أنّ زوجته عليه السّلام كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله ويشربه ، وكان الشيطان لعنه اللّه تعالى يلقي إليهم انّ داءه عليه السّلام يعدّي ، ويحسّن إليهم تجنّب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمسّ جسده ، وهذه مضارّ لا شبهة فيها . وأما قوله تعالى في سورة الأنبياء :
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
( 84 ) « 2 » فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه ؛ لأنّ الضرّ هو الضرر الّذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة .
هامش
( 1 ) سورة ص ، الآية : 41 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآيتان : 83 ، 84 .