تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
ذلك ؛ ومعنى جميع ما ذكرناه المقاربة ، ولا بدّ من إضمار « كاد » فيه ؟ وقال جرير :
إنّ العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا « 1 »
وإنّما المعنى أنّهن كدن يقتلننا ؛ وهذا أكثر في الشعر والكلام من أن نذكره . فأمّا قوله : « يحيين قتلانا » فالأظهر في معناه أنّهن لم يزلن يفعلن ما قاربنا عنده الموت والقتل من الصدود والهجر وما أشبه ذلك ، وسمّى هذه الأمور حياة كما سمّى أضدادها قتلا ، وقد قيل إنّ معنى « يحيين قتلانا » أنّهن لم يدين قتلانا ، من الدّية ، لأنّ دية القتيل عند العرب كالحياة له ، وقد روى : « ثم لم يجنينّ قتلانا » ، وهذه رواية شاذة لم تسمع من عالم ولا محصّل ومعناها ركيك ضعيف ؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال : قام فلان بمعنى كاد يقوم ، إذا دلّت الحال على ذلك ؛ كما يقال : مات بمعنى كاد يموت . فأمّا قوله : « فيكون تأويل قوله : قام عبد اللّه ، لم يقم عبد اللّه » فخطأ ؛ لأنّه ليس معنى كاد يقوم إنّه لم يقم كما ظنّ بل معناه . أنّه قارب القيام ودنا منه ، فمن قال : قام عبد اللّه وأراد كاد يقوم ؛ فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم . وأمّا قوله تعالى :
زاغَتِ الْأَبْصارُ
فمعناه زاغت عن النظر إلى كلّ شيء فلم تلتفت إلّا إلى عدوها ، ويجوز أن يكون المراد ب
زاغَتِ
، أي جارت ومالت عن القصد في النظر دهشا وتحيّرا . فأمّا قوله تعالى :
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
، معناه أنّكم تظنّون مرّة أنّكم تنصرون وتظهرون على عدوّكم ، ومرّة أنّكم تبتلون وتمتحنون بالتخلية بينكم وبينهم . ويجوز أيضا أن يريد اللّه تعالى أنّ ظنونكم اختلفت ، فظنّ المنافقون منكم خلاف ما وعدكم اللّه تعالى به من النصر ، وشكّوا في خبره عزّ وجلّ كما قال تعالى حكاية عنهم :
ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
، فظنّ المؤمنون ما طابق وعد اللّه
هامش
( 1 ) ديوانه : 595 .