تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال : « من جبال فيها برد » بغير « من » ، يترجم برد عن جبال ؛ لأنّها مخلوقة من برد ، كما يقال : الحيوان من لحم ودم ، والحيوان لحم ودم ؛ ب « من » وبغير « من » . ووجدت علي بن عيسى الرمانيّ يقول في تفسيره : إنّ معنى
مِنْ
الأولى ابتداء الغاية ؛ لأنّ السماء ابتداء الإنزال ، والثانية للتبعيض ؛ لأنّ البرد بعض الجبال التي في السماء ، والثالثة لتبيين الجنس ؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد » . وهذه التفاسير على اختلافها غير شافية ولا كافية ؛ وأنا أبيّن ما فيها من خلل ، ثمّ أذكر ما عندي أنّه الصحيح : أمّا من جعل في السماء جبال برد ، أو ما مقداره مقدار الجبال - على اختلاف عباراتهم - فيدخل عليه أن يبقي عليه قوله تعالى :
وَيُنَزِّلُ
بغير مفعول ؛ ولا ما يتعلّق به ؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير : وينزّل من جبال برد في السماء ؛ فما الشيء الذي أنزل به ! فما تراه مذكورا في الآية ؛ والكلام كلّه خال منه على هذا التأويل . فأمّا أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه ، ويلزمه زائدا عليه أنّه جعل الجبال اسما للبرد نفسه ؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا . وهذا غلط ؛ لأنّ الجبال وإن كانت في الأصل مشتقّة من الجبل والجمع فقد صارت اسما لذي هيئة مخصوصة . ولهذا لا يسمّي أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض - مع استحجار أو غير استحجار - بأنّه جبل ، ولا يخصّون بهذا اللفظ إلّا أجساما مخصوصة . وليس يعترض على هذه التأويلات التي ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنّه لا يجوز أن يكون في السماء جبال برد ، أو ما قدره قدر الجبال من البرد ؛ لأنّ ذلك غير ممتنع ولا مستحيل . فإن قالوا : كيف لا تهوي تلك الجبال من البرد ؟ .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 146 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي