تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
« ولا يتّبع غير سبيل المؤمنين » ، وهذا بيّن في التعارف ؛ لأنّ أحدنا لو قال لغيره : من أكل غير طعامي فله العقوبة ، فالمتعارف من ذلك أن أكل طعامه مخالف لذلك ، وأنّ العقوبة إنّما تتعلّق بخروجه عن أن يكون آكلا لطعامه » « 1 » فغير صحيح ؛ لأنّ « غير » - هاهنا - ليس بواجب أن يكون بمعنى « إلّا » الموضوعة للاستثناء ، بل جائز أن تكون بمعنى : خلاف ، فكأنّه تعالى قال : لا يتّبع خلاف سبيل المؤمنين « 2 » وما هو غير لسبيلهم ، ولم يرد : لا يتّبع إلّا سبيلهم ، ومعرفة الغير المحظور واتباعه وإن كانت لا تتمّ إلّا بمعرفة سبيلهم على ما ذكر ، فغير ممتنع أن يكون حكمه موافقا لحكم اتباع سبيلهم في الحظر ، ولا يجب أن يكون واجبا من حيث كان الأول محظورا ، وكانت معرفته لا تتم إلّا بمعرفته ، وقد أصاب في قوله : « لا فرق بين ذلك وبين أن يقول : « ولا يتبع غير سبيل المؤمنين » غير أنّه ظنّ أنّه لو استعمل هذا اللفظ لفهمنا منه ما ادّعاه من اتباع سبيلهم ، وليس الأمر كما ظنّ ، بل التأويل الذي تأوّلناه ودلّلنا على احتمال اللفظ الأوّل له قائم في الثاني ، وحكم المثل الذي ضربه أيضا هذا الحكم ؛ فإنّ من قال : لا تأكل غير طعامي ، أو من أكل غير طعامي عاقبته ، لا يفهم من ظاهر لفظه ومجرّده إيجاب أكل طعامه ، بل المفهوم حظر أكل ما هو غير لطعامه ، وحال طعامه في الحظر [ أو ] الإباحة أو الإيجاب موقوفة على الدليل ، وأقلّ أحوال هذا اللفظ عند من ذهب إلى أن لفظة « غير » مشتركة بين الاستثناء وغيره وأن ظاهرها لا يفيد أحد الأمرين ، أن يكون محتملا لما ذكرناه من حظر أكل غير طعامه ومحتملا لإيجاب أكل طعامه ، ووضع لفظة « غير » مكان لفظة « إلّا » وإنّما يفهم في بعض المواضع عن مستعمل هذا اللفظ إيجاب أكل طعامه لا بمجرد اللفظ ، بل بأن يعرف قصده إلى الإيجاب ، أو لغير ذلك من الدلائل المقترنة « 3 » إلى اللفظ ، ولولا أن الأمر على ما ذكرناه لما حسن أن يقول القائل : من أكل غير طعامي عاقبته ، ومن أكل طعامي - أيضا - عاقبته ، وكان يجب أن يكون نقضا
هامش
( 1 ) المغني 17 : 162 . ( 2 ) في نسخة : أو . ( 3 ) في نسخة : المضمومة .