تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
بأن كلّ ثمن يؤخذ عنها يكون قليلا بالإضافة إليها ، ويكون المتعوّض عنها مغبونا مبخوسا خاسر الصفقة . والوجه الآخر : أنّ في التكبّر ما يكون ممدوحا لأنّ من تكبّر وتنزّه عن الفواحش والدنايا وتباعد عن فعلها ، وتجنب أهلها يكون مستحقّا للمدح ، سالكا لطريق الحقّ ؛ وإنّما التكبّر المذموم هو الواقع على وجه النّخوة والبغي والاستطالة على ذوي الضّعف والفخر عليهم ، والمباهاة لهم ، ومن كان بهذه الصفة فهو مجانب للتواضع الذي ندب اللّه إليه ، وأرشد إلى الثواب المستحقّ عليه ، ويستحقّ بذلك الذمّ والمقت ، ولهذا شرط تعالى أن يكون التكبّر بغير الحقّ . وقوله تعالى في هذه السورة :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
« 1 » ، يحتمل أيضا هذين الوجهين اللّذين ذكرناهما . فإن أريد به البغي المكروه الذي هو الظلم وما أشبهه ، كان قوله :
بِغَيْرِ الْحَقِّ
تأكيدا وإخبارا عن أنّ هذه صفته ، وان أريد بالبغي الطلب - وذلك أصله في اللغة - كان الشرط في موضعه ؛ لأنّ الطلب قد يكون بالحقّ وبغير الحقّ . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
وهل الرؤية ها هنا العلم والإدراك بالبصر ؟ وهب أنّها يمكن أن تكون في قوله تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
محمولة على رؤية البصر ، لأنّ الآيات والأدلّة ممّا تشاهد كيف تحمل الرؤية الثانية على العلم ، وسبيل الرشد إنّما هي طريقه ، ولا يصحّ أن يرجع بها إلى المذاهب والاعتقادات التي لا يجوز عليها رؤية البصر ، فلا بدّ إذا من أن يكون المراد به رؤية العلم ؛ ومن علم طريق الرّشد لا يجوز أن ينصرف عنه إلى طريق الغيّ ؛ لأنّ العقلاء لا يختارون مثل ذلك . قلنا : الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون المراد بالرؤية الثانية رؤية البصر ، ويكون السبيل المذكور في الآية هي الأدلّة ، لأنّها ممّا يدرك بالبصر ، وتسمّى بأنّها سبيل إلى الرشد ، من
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 33 .