تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
الشرط ؛ لأنّه لا يتناول إلّا الممدوح ، ولهذه العلّة وجب في الشرط المراعي في النفي أن يكون أيضا إثباتا أو جاريا مجرى الإثبات . ومن تأمّل ما وقع التمدّح فيه بالنفي والإثبات ، علم أنّ الأمر فيه على ما ذكرنا . فإن قيل : ظاهر الآية إنّما يقتضي نفي إدراك الأبصار عنه ، وهذا ممّا لا يخالف فيه أحد ، وإنّما الخلاف في إدراك المبصرين الذين لم يتناولهم الآية ؟ قلنا : ليس يخلو ذكر الأبصار أو المبصرون ، فإن أريد به الرؤية دون حاسّتها ، فذلك باطل بما دللنا به من قبل على أنّ الرؤية ليست بمعنى ، وإن أريد الحاسّة ، بطل أن تكون الآية موجبة لمدحه تعالى ؛ لأنّ الحاسّة كما يستحيل أن ترى هي القديم تعالى ، وكذلك يستحيل أن ترى غيره من جميع الموجودات ، فلا اختصاص هاهنا للقديم تعالى بما ليس لغيره . وليس لأحد أن يراعي في ذلك كونه رائيا ويشترط النفي به ؛ لأنّ كلّ سليم من الأحياء يشارك في ذلك ، من حيث كان البصر لا يراه على الحقيقة ، وإن كان هو رائيا له . على أنّ من ليس أدنى بصيرة بالعربيّة « 1 » ، لا يتعرض بمثل هذا الاعتراض ؛ لأنّهم لا يفرّقون - إذا أرادوا النفي - بين أن يعلّقوه بالآلة أو بذي الآلة ، ولهذا يقولون : « يد فلان لا تبطش » ، و « رجله لا تسعى » ، و « عينه لا تبصر » ، وإنّما يريدون أنّه في نفسه لا يبطش ولا يسعى ولا يبصر ، فالمعنى واحد ، وإن كان اللفظ الأوّل الذي يعلّق النفي فيه بالآية أفصح وأبلغ . فإن قيل : من أين لكم عموم الآية على وجه يتضمّن نفي إدراك البعض ، كما يتضمّن نفي إدراك الكلّ ، ظاهر الآية إنّما يقتضي أن جميع المبصرين أيضا لا يدركونه ، وهذا ممّا لا خلاف فيه ؟ قلنا : قد أجيب عن هذا السؤال بأنّ إدراك الكلّ يقتضي نفي إدراك البعض ، كما أنّ الإثبات يقتضي ذلك ، وليس هذا بمرضيّ ؛ لأنّ الإثبات في هذا الباب
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ولعلّ الصحيح ، « على انّ من له أدنى بصيرة بالعربية . »