تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
أن غيرهم بمنزلتهم ؟ والإشارة التي تشبّث بها في إحدى الآيتين مثلها في الأخرى ؛ لأنّ قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً
يجري في الإشارة مجرى قوله :
كُنْتُمْ
وترجيحه الآية التي اعتمدها مع اعترافه بالإشارة فيها بقوله تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ
بناء على ما تقدّم من الكلام ، فإذا كان قوله تعالى
جَعَلْناكُمْ
يقتضي التخصيص من حيث الإشارة على ما ذكره في قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
فما هو بناء عليه ، ومتعلّق به من قوله :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
جار مجراه في الخصوص ؛ لأنّ الاعتبار في العموم والخصوص بما تقدّم في الكلام دون ما هو مبنيّ عليه ، على أنّه إن رضي لنفسه بما ذكره فليرض بمثله إذا قال له خصمه ، وكذلك قوله تعالى :
كُنْتُمْ
وإن كان فيه معنى الإشارة فقد تلاه ما يقتضي العموم ، ويخرج عن معنى التخصيص من قوله :
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
. فأمّا قوله : وقوله تعالى :
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
ليس فيه دلالة على أنهم لا يأمرون إلّا به حتى يستدل باتفاقهم على الأمر بالشيء على أنّه حقّ ، وإنما يبيّن بذلك أنّ هذه طريقة لهم ، وسجيّتهم على طريقة المدح ، فلا يمنع من أن يقع منهم خلافه إذا لم يخرجهم من طريقة المدح ؛ ولأن ذلك يوجب تقدّم المعرفة بالمعروف والمنكر ، ويخرج بذلك أمرهم من أن يكون دالّا على أن المأمور به من قبلهم معروف ، والمنهي عنه من قبلهم منكر ، فكذلك قوله تعالى :
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
ليس فيه دلالة على أنّهم خيار عدول في كلّ شيء ، وفي كلّ حال ، ولا أنّهم أيضا شهود بكلّ أمر وفي كلّ حال ، وليس يمتنع أن يخرجوا من أن يكونوا شهداء ، فلا يجب أن يكونوا عدولا ، على أنّه في هذا الكلام تارك لعموم القول بظاهره الذي لا يزال يتعلّق به ويعتمده ؛ لأنّ قوله تعالى :
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
إذا أخذ على عمومه لم يسغ « 1 » ما ذكره من التجويز عليهم أن يأمروا بغير المعروف ؛ لأنّ
هامش
( 1 ) في نسخة « لم يسمع » .