والجواب عن رابعها : أنه ليس في الظاهر أن جميع الوجوه الّتي في النار داخلة في اللفظة ، لأن لفظة « وجوه » ليست من ألفاظ العموم عند أحد ، فغير ممتنع أن يكون اللّه تعالى أراد بعضها أو أراد سوادا مخصوصا يلحق هذه الوجوه وان لم يكن لاحقا بغيرها .
ويلزم المتعلّق بهذه الآية أن يكون كلّ من يدخل النار كفر بعد إيمان حتّى يكون من كفر في الأصل خارجا من النار ؛ لأن الظاهر هكذا يقتضي .
والجواب عن خامسها : أن وصفه تعالى النار بأنها محيطة بالكافرين ، لا يمنع من أن تكون محيطة بغيرهم ، وإنّما قيدنا احاطتها بهم ، ومن قال في دار بعينها : « انها محيطة بزيد » لا يمنع من أن تكون محيطة بعمرو ، وعلى أن النار محيطة بزبانية وخزنة ، وليس في القول بذلك خروج عن ظاهر الآية ، وقد قال اللّه تعالى :
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
« 1 » بأنه عالم بأحوالهم ، ولا يمنع ذلك من احاطته بغيرهم .
والجواب عن سادسها : أنه ظاهر قوله تعالى :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ،
لو اقتضى نفي المجازاة عمّن ليس بكفور لاقتضى أن يكون المؤمن غير مجاز بإيمان فيه وطاعاته .
فإذا قيل : أريد بالآية وهل نجازي بالعقاب إلّا الكفور .
قلنا : هذا ترك للظاهر ، ولا فصل بينكم وبين مرتدكم بأن حمل الآية على عقاب مخصوص وجزاء معيّن ، وظاهر الآية يقتضي حمل الجزاء على الاصطلام والاستيصال في الدنيا ؛ لأنه تعالى أجرى العادة بأن يعاقب بهذا الضرب من الجزاء للكفّار دون غيرهم . ألا ترى قوله تعالى :
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
( 17 ) « 2 » . وهذا بيّن « 3 » .
-
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
[ البقرة : 15 ] .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 19 .
( 2 ) سورة سبأ ، الآية : 16 - 17 .
( 3 ) الذخيرة : 536 .