الحقير الصغير [ بطريق ] أولى ، ومن عادة العرب إذا أرادوا العظيم والمبالغة أن يعلّقوا الكلام بأعظم الأمور وأظهرها ، ويكتفون بذلك عن ذكر غيره شمولا أو عمومه « 1 » .
ألا ترى أنّهم إذا أرادوا أن يصفوا رجلا بالجود ويبالغوا في ذلك ، قالوا :
هو واهب الألوف والقناطير ، ولم يفتقروا أن يقولوا : هو واهب الدوانيق والقراريط ؛ للاستغناء عنه ولدلالة الكلام عليه ؟
ووجه آخر : وهو أن يكون في الكلام حذف ، ويكون تقديره : مالك يوم الدين وغيره ، كما قال تعالى :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
« 2 » فحذف اختصارا .
وهذا الجواب يضعف وإن كان قوم من المفسّرين قد اعتمدوه في هذا الموضع ؛ لأنّ الحذف إنّما يحتاج إليه عند الضرورة بتعذّر التأويل ، فأمّا مع إمكانه وتسبله « 3 » فلا وجه لذكر الحذف .
والمثال الذي مثّلوا به غير صحيح ؛ لأنّ قوله تعالى :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
ما يرد « 4 » والبرد ، ثم حذفه ، بل الوجه فيه أنّه خاطب قوما لا يمسّهم إلّا الحرّ ، ولا مجال للبرد عليهم ؛ لأنّ بلادهم يقتضي ذلك ، فنفى الأذى الذي يعتادونه « 5 » .
ويمكن أن يكون إرادة نفي الامرين ، فدلّ على نفي أضعفهما ، كما ذكرناه قبل .
مسألة : فإن قيل : فما الوجه في قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وما الفائدة في هذا التكرار ؟ ويغني أن يقول : إيّاك نعبد ونستعين .
الجواب :
قلنا : قد قيل في ذلك : إنّ الكناية لو تأخّرت عن القائل فيها لتكرّرت ،
هامش
( 1 ) كذا والظاهر : عموما .
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 81 .
( 3 ) كذا والظاهر : وتسيره .
( 4 ) كذا والظاهر : ما أراد .
( 5 ) راجع أيضا الذخيرة : 579 .