أُخْفِيها :
تأويله واللّه أعلم عند أهل النظر : أكاد أظهرها . وتلخيص حال هذه اللفظة : أي أكاد أزيل عنها خفاءها وخفاء كلّ شيء ؛ غطاؤه . . . فأخفيها في أنه « أزيل خفاءها » : بمنزلة قوله « لو أننا نشكيها » : أي نترك لها ما تشكوه « 1 » ، وكأن ابن جني يرى الهمزة في قراءة « أخفيها » بالضمّ هي همزة سلب ، ذلك بأن سلبت معنى الفعل الثلاثي ونقلته إلى المعنى المضاد « 2 » ، فالضدية لا تعود إلى اللفظة ذاتها ، وإنّما تعود إلى اختلاف الصيغة الصرفية بين « فعل وأفعل » .
وخلاصة القول : انّ السيّد المرتضى قد اهتمّ بالقراءات وبيان حججها ، واختلافها وذكر من قرأ بها ، وعلاقتها باللغة والنحو والدلالة ، وكان وهو يحتجّ بها يذكر من كلام العرب والشواهد الشعرية ما يؤيّدها ، فدلّ بذلك على علم بالقراءات وإحاطة بالمشهور منها والشاذّ وكانت عنايته بالقراءات المشهورة أكثر ، والشهرة عنده سبب من أسباب قوّة القراءة عند الموازنة بينها - وإن لم يلتزم ذلك - كما رأينا ذلك في ترجيحه لقراءة
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
« 3 » ، وقراءة
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
« 4 » بفتح العين والباء .
ومع قوله بشذوذ طائفة من القراءات وعدم جواز القراءة بها ، لا يغفل مالبعض منها - الشاذّة - من اعتبارات وقيم معنوية ولغوية ، ولا يهمل توجيهها والاحتجاج لها ، كما رأينا ذلك في توجيهه لقراءة سعيد بن جبير
أَكادُ أُخْفِيها
« 5 » بفتح الهمزة ، والاحتجاج لها بالشعر وتخريجها دلاليا .
وعلى الرغم من عناية المرتضى بالقراءات المشهورة ، إلّا أن ذلك لم يمنع من الموازنة بينها وترجيح بعضها على بعض من دون أن يعني هذا الترجيح إسقاط المرجوح وقبول الراجح وحده ، فالمرتضى لم يقف عند توجيه القراءات المشهورة وبيان عللها وحجج القراء فيها فحسب ، بل أبدى رأيه في طائفة منها ، بترجيح بعضها على بعض ، واختيار ما رآه الأقوى منها ، مستعينا على ذلك باللغة
هامش
( 1 ) سرّ صناعة الاعراب ، 1 : 43 .
( 2 ) ينظر الاضداد في اللغة : 190 .
( 3 ) سورة الضحى ، الآية : 7 .
( 4 ) سورة المائدة ، الآية : 60 .
( 5 ) سورة طه ، الآية : 15 .