بأهل الأرض العليا ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز .
وفي مشاهدتهم السماء واستمداد الضوء منها قولان :
أحدهما : أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة .
والقول الثاني : أنهم لا يشاهدون السماء وإن اللّه خلق لهم ضياء يستمدونه ، وهذا قول من جعل الأرض كالكرة .
القول الثاني : حكاه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض ، تفرق بينهن البحار وتظل جميعهن السماء ، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل هذه الأرض وصول للأخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض ، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه ، واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمت لكان النص بها واردا ولكان الرسول بها مأمورا ، واللّه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه وصواب ما اشتبه على خلقه .
ثم قال تعالى
يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
فيه وجهان :
أحدهما : الوحي ، قاله مقاتل ، فعلى هذا يكون قوله
بَيْنَهُنَّ
إشارة إلى ما بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها .
الوجه الثاني : أن المراد بالأمر قضاء اللّه وقدره ، وهو قول الأكثرين ، فعلى هذا يكون المراد بقوله
« بَيْنَهُنَّ »
الإشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها .
ثم قال
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
لأن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر ، ومن العفو والانتقام أمكن ، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته .
وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
أوجب التسليم بما تفرد به من العلم كما أوجب التسليم بما تفرد به من القدرة ، ونحن نستغفر اللّه من خوض فيما اشتبه وفيما التبس وهو حسب من استعانه ولجأ إليه .