وحكى الأصمعي « 29 » قال : رأيت بالبادية جارية خماسية أو سداسية وهي تقول :
أستغفر اللّه لذنبي كلّه * قتلت إنسانا لغير حلّه
مثل غزال ناعم في دلّه * فانتصف اللّيل ولم أصلّه
فقلت لها : قاتلك اللّه ما أفصحك ، فقالت : أتعدّ فصاحة بعد قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
فجمع في آية واحدة ، بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وإنشاءين .
والثالث : أن وجه إعجازه ، هو الوصف الذي تنقضي به العادة ، حتى صار خارجا عن جنس كلام العرب ، من النظم ، والنثر ، والخطب ، والشعر ، والرجز ، والسجع ، والمزدوج ، فلا يدخل في شيء منها ولا يختلط بها ، مع كون ألفاظه وحروفه في كلامهم ، ومستعمله في نظمهم ونثرهم .
حكي أن ابن المقفع « 30 » طلب أن يعارض القرآن ، فنظم كلاما ، وجعله مفصلا ، وسماه سورا ، فاجتاز يوما بصبي يقرأ في مكتب :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فرجع ، ومحا ما عمل ، وقال : أشهد أن هذا لا يعارض أبدا ، وما هو من كلام البشر ، وكان فصيح أهل عصره .
والرابع : أن وجه إعجازه ، هو أن قارئه لا يكل ، وسامعه لا يمل ، وإكثار
هامش
( 29 ) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي ، أبو سعيد . أديب ، لغوي ، أصولي من أهل البصرة . قدم بغداد في أيام هارون ، توفي بالبصرة سنة 216 ه . له تصانيف كثيرة منها : المذكر والمؤنث ، نوادر الأعراب . انظر : -
التاريخ الكبير ( 2 / 277 ) ، تهذيب الأسماء واللغات ( 2 / 273 ) ، وفيات الأعيان ( 1 / 362 ) النجوم الزاهرة ( 2 / 190 ) .
( 30 ) هو عبد اللّه بن المقفع . كاتب ، شاعر ، وأحد النقلة من اللسان الفارسي إلى العربي وهو فارسي الأصل نشأ بالبصرة واتهم بالزندقة فقتله أمير البصرة سفيان بن معاوية . من آثاره : الأدب الصغير ، الدرة اليتيمة ، والجوهرة الثمينة في طاعة السلطان . انظر : -
سير أعلام النبلاء ( 5 / 222 ) ، لسان الميزان ( 3 / 366 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 96 ) معجم المؤلفين ( 6 / 156 ) .