تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
ولمّا فارقه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة ، وأدركه شؤم الكفر ، واستولى عليه الحرمان ، فجمع قومه وكلّمهم في أمره ، وأجمعوا كلّهم على أنه سحرهم . وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيّه . . كما قيل :
إذا ارعوى عاد إلى جهله * كذى الضّنى عاد إلى نكسه
ثم إنه جمع السّحرة ، واستعان بهم ، فلمّا اجتمعوا قالوا :
« إِنَّ لَنا لَأَجْراً »
. فنطقوا بخساسة همّتهم ، فضمن لهم أجرهم . وإنّ من يعمل لغيره بأجرة ليس كمن يكون عمله للّه . ومن لا يكون له ناصر إلّا بضمان الجعالة وبذل الرّشا فعن قريب سيخذل . قوله جل ذكره :

[ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 42 ]

قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قال فرعون :
« وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »
، ومن طلب القربة عند مخلوق فإنّ ما يصل إليه من الذّلّ يزيد على ما أمّله من العزّ في ذلك التّقرّب . والمقرّبون من اللّه أوّل من يدخل عليه يوم اللقاء ، فهم أول من لهم وصول . والمقرّبون من اللّه لهم على اللّه دخلة ، والناس بوصف الغفلة والخلق في أسر الحجبة . ثم لمّا اجتمع الناس ، وجاء السّحرة بما موّهوا ، التقمت عصا موسى جميع ما أتوا به ، وعادت عصا ، وتلاشت أعيان حبالهم « 1 » التي جاءوا بها ، وكانت أوقارا ، وألقى السحرة سجّدا ، ولم يختلفوا « 2 » بتهديد فرعون إياهم بالقتل والصّلب والقطع ، فأصبحوا وهم يقسمون بعزّة فرعون ، ولم يمسوا حتى كانوا يقولون :
« لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ
« 3 »
»
. ثم لمّا ساعدهم التوفيق ، وآمنوا باللّه كان أهمّ أمورهم الاستغفار لما سلف من ذنوبهم ، وهذه هي غاية همّه الأولياء ، أن يستجيروا باللّه ، وأن يستعيذوا من عقوبة اللّه ، فأعرفهم باللّه أخوفهم من اللّه .
هامش
( 1 ) يتصل ذلك برأي القشيري في المعجزة وأنها قد تكون قلب الأعيان ، أما كرامة الولي فقد لا تكون كذلك ، وهي مع ذلك متصلة بنبي الأمة التي يتبعها هذا الولي . ( 2 ) وردت ( يختلفوا ) والسياق يرفضها ويؤيد ( يحتلفوا ) كما هو واضح . ( 3 ) آية 72 سورة طه . ويقصد القشيري إلى أن يوضح أن العبرة بالخواتيم ، وهو بهذا يحث - بطريق غير مباشر - على التوبة ، وعدم القنوط من رحمة اللّه .
لطائف الإشارات — صفحة 11 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني