بين كلام المخلوق وكلام الخالق فقالوا فيه : « هو فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق » .
1 - الفصاحة والجمال :
لا تحتاج هذه الميزة في نهج البلاغة إلى التوضيح لمن كان عارفا بفنون الكلام وجمال الكلمة ، فإن الجمال يدرك ولا يوصف . إن لنهج البلاغة اليوم وبعد أربعة عشر قرنا من عهده نفس الحلاوة واللطف الذي كان فيه للناس على عهده ، ولسنا نحن الآن في مقام إثبات هذا الكلام ، ولكنا - بمناسبة البحث - نورد هنا كلاما في مدى نفوذ كلامه ( ع ) في القلوب ، وتأثيره في تحريك العواطف والأحاسيس ، والمستمر من لدن عهده إلى اليوم ، مع كل ما حدث من تحول وتغيير في الأفكار والأذواق . ولنبدأ بعهده . لقد كان أصحابه ( ع ) - خصوصا من كان منهم عارفا بفنون الكلام - مغرمين بكلامه ، منهم ( ابن عباس ) الذي كان - كما ذكر الجاحظ في ( البيان والتبيين ) - من الخطباء الأقوياء على الكلام فإنه لم يكن يكتم عن غيره شوقه إلى استماع كلامه والتذاذه بكلماته ( ع ) ، حتى أنه حينما أنشأ الإمام خطبته المعروفة بالشقشقية كان حاضرا ، فقام إلى الإمام ( ع ) رجل من أهل السواد - أي العراق - وناوله كتابا ، فقطع بذلك كلام الإمام ، فقال ابن عباس : « يا أمير المؤمنين لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت » فقال ( ع ) : « هيهات إنها شقشقة هدرت ، ثم قرت » ولم يطرد في كلامه ذاك ، فكان ابن عباس يقول : « واللّه ما ندمت على شيء كما ندمت على قطعه هذا الكلام » . وكان يقول في كتاب بعث به إليه الإمام ( ع ) : « ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه ( ص ) كانتفاعي بهذا الكلام » .