[ من ] « 1 » التعوذ من غنى يطغي ، وفقر ينسي ؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار ، والطغيان « 2 » هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه ، والفقر المنسي : هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم ، أعني : ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك .
وقوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
، ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل - : أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى ؛ إن رأى نفسه غنية .
وقوله - عزّ وجل - :
إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
:
أي : المرجع كذا قال أبو عبيد .
وقال غيره : الرجوع « 3 » .
ثم يحتمل قوله :
إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
، أي : المرجع للكل إلى ما أعد لهم : أعد للكافر النار ، وللمؤمن الجنة ؛ على ما ذكر في الآية .
وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه .
ثم قوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
، أريد به إنسان دون إنسان ؛ إذ لم يطغ كل إنسان ، ولا خلف يقع في خبر الله تعالى ؛ فكأن المراد منه : البعض ؛ ليعلم أن الفهم « 4 » بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب ، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منه .
وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به ، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به .
قوله تعالى :
[ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 9 إلى 19 ]
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 )
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 )
كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 )
وقوله - عزّ وجل - :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى
:
ذكر أهل التأويل أن الذي ينهى : أبو جهل - لعنه الله -
عَبْداً إِذا صَلَّى
: رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنه كان يصلي في الحجر ، فكان ينهاه أبو جهل ؛ فنزل :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
.
[ و ] جائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على أثر ذلك ، وهو قوله :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ
هامش
( 1 ) سقط في ب .
( 2 ) في ب : والطغيان والطغيان .
( 3 ) في ب : الرجع .
( 4 ) في ب : القيم .