في إنشاء عدوه وهو عالم أنه يسعى في معاداته ؟ ! .
فجوابه - والله أعلم - : أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه يضره ولا ينفعه ، إنما لحقته المذمة ؛ لما سعى في إضرار نفسه ، فأما الذي أعرض عن إطاعة الله - تعالى - وكفر به فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك ، ولم يضر غيره ؛ لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه ، وفي هذا دلالة أن الله - تعالى - حيث خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم ؛ بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 16 إلى 25 ]
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ( 17 ) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ( 18 ) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ( 19 ) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 )
وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ( 21 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ( 22 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ( 23 ) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 )
وقوله - تعالى - :
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
منهم من حمل قوله :
فَلا
على دفع منازعة وقعت فيما بين القوم ؛ على ما نذكر في سورة
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
[ إن شاء الله ] « 1 » ، وإنما القسم قوله - عزّ وجل - :
أُقْسِمُ
.
ومنهم من جعل « لا » بحق الصلة .
فإن كان على الوجه الأول ، لم يجز حذف « لا » من الكلام ؛ بل حقه أن يقرأ
فَلا أُقْسِمُ
.
وإن كان بحق الصلة استقام حذفه ، كما قرأ بعض القراء :
فَلا . أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
« 2 » .
ثم الشفق هو أثر النهار ، فجائز أن يكون القسم واقعا على النهار كله ، وإن كان ذكر طرفا منه .
والثاني : أن الشفق يجتمع فيه أثر النهار - وهو النور الذي فيه - وأثر الشمس - وهو الحمرة التي تكون فيه - فيكون القسم واقعا على النهار بما فيه ، كما كان واقعا على الليل بما فيه ؛ لقوله :
وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
؛ فيكون فيه حجة لقول أبي حنيفة [ - رضي الله عنه - ] « 3 » : إن وقت العشاء لا يدخل حتى يغيب البياض ؛ لأن وقتها يدخل بغيبوبة الشفق ، والشفق وجدناه مشتملا على البياض والحمرة ، فما لم يتم الغيبوبة لم يهجم وقتها ؛ ألا
هامش
( 1 ) سقط في ب .
( 2 ) كذا في أ . ولعلها : فلا أقسم ، أو : أقسم .
( 3 ) في ب : رحمه الله .