يذكر ما للمصدقين ، وحقه أن يقال : « طوبى للمصدقين » ؛ لأن حرف « الويل » يتكلم به عند الوقوع في المهلكة ، وحرف « طوبى » يتكلم به في موضع السرور والعطية ، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك ، كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور ، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
[ الانشقاق : 7 ، 8 ] ، وقال - عزّ وجل - :
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ الأعراف : 8 ] : تقديم وتأخير .
قوله تعالى :
[ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 16 إلى 28 ]
أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 18 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 )
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 )
أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 )
وقوله - عزّ وجل - :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
:
جائز أن يكون ذكر هذا ؛ ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر البعث ؛ لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء والابتداء ، فذكر ابتداء خلقهم ؛ لينتفي عنهم الريب في الإعادة .
وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء المهين ، وهو الماء المستعاف المستقذر ؛ ليدعوا تكبرهم وتجبرهم على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وينقادوا له « 1 » ، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه .
وأخبر « 2 » أنه خلقهم في الظلمات التي لا ينتهي إليها تدبير البشر ؛ ليعلموا أنه قادر على ما يشاء ، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء ؛ فيحملهم ذلك على المراقبة ، وعلى التيقظ والتبصر « 3 » .
وقوله - عزّ وجل - :
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ
:
القرار المكين هو الرحم ، جعله الله - تعالى - قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين ، فيخلق « 4 » منه علقة ومضغة ، ويقر فيه إلى الوقت الذي قدر الله تعالى الخروج منه .
وقوله - عزّ وجل - :
فَقَدَرْنا
، قرئ : قدرنا وقدرنا ، ف قدرنا ، أي :
خلقنا كل شيء منه بقدر ؛ و
فَقَدَرْنا
، أي : سويناه على ما توجبه « 5 » الحكمة على الوجوه
هامش
( 1 ) في أ : وينقادون .
( 2 ) في ب : فأخبر .
( 3 ) في ب : والتبصير .
( 4 ) في ب : فخلق .
( 5 ) في أ : يوجب .