ثم منهم من يختار الشكر له ، ومنهم من يختار الكفران له ، ثم بين ما أعد للكفور منهم ، وما أعد للشكور ، وهو ما قال :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً
.
ثم قوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
إن كان المراد منه الطريق ؛ فكأنه قال : إنا بينا كلا الطريقين « 1 » ، فإن سلك طريق كذا واختاره يكون شاكرا ، وإن سلك طريق كذا واختاره يكون كفورا .
ثم بين لكل طريق سلكه جزاء وثوابا .
ثم قوله - عزّ وجل - :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً
:
ففيه إنباء أن أيديهم تغل ، ويشدون بالسلاسل ، فلا يتهيأ لهم أن يقوا العذاب عن وجههم « 2 » .
ثم قرئ سلسلا ؛ لأنها غير منصرفة ، وقرئ سلاسل وصرفوه ؛ بناء على أن الأسماء كلها منصرفة إلا نوعا واحدا .
وقال الزجاج : السلاسل لا تنصرف ؛ لأنه لا فعل لها ، لكن صرفها هاهنا لأنها من رؤوس الآيات .
وقيل : لأنه جعله رأس الآية .
قوله تعالى :
[ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 5 إلى 22 ]
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 )
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 ) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 )
وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 )
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 )
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
:
فمنهم من ذكر أن الكافور شيء أعده الله تعالى لأهل كرامته ، لم يطلع عباده على ذلك في الدنيا .
هامش
( 1 ) في ب : الطريق .
( 2 ) في ب : أوجههم .