تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
أحدهما : جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا : أن الإنسان بصير بعمل نفسه ، وإن جادل عنها : أنه لم يفعل ذلك ، وأسر ذلك عن الناس ،
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
، أي : أرخى الستور بما كسبت « 1 » نفسه ، والمعذار هو الستر . والوجه الثاني : أن يكون في الآخرة ، وهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ، وقال :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ
[ المجادلة : 18 ] ، فيقدمون على الحلف ؛ اعتذارا منهم على العلم منهم أنهم مبطلون في جدالهم . والثاني : أن يكون معنى البصيرة : الشاهد ، أي : أن الإنسان على نفسه شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله ،
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
، أي : وإن ستر على نفسه ، شهدت عليه جوارحه ، وذلك نحو قوله - عزّ وجل - :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ يس : 65 ] وقوله - عزّ وجل - :
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ . .
. الآية [ فصلت : 20 ] . فإن قيل : إن الإنسان مذكر ، كيف وصف بالبصر بلفظة التأنيث بقوله :
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
، ولم يقل « بصير » ؟ فجوابه من أوجه : أحدها : ما قيل : إن الإنسان تسمية جنس فيه الجماعة ، لا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط ؛ ألا ترى إلى قوله :
وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
[ العصر : 3 ] ، استثنى الذين آمنوا من قوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
، ولا يستثنى الجماعة من الواحد ، وكذلك قوله - عزّ وجل - :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
[ التين : 4 - 6 ] ، فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان ؛ فثبت أن الإنسان تسمية جنس ، والجنس جماعة ، وتكون الجماعة مضمرة فيه ؛ كأنه قال : إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة ؛ فيكون قوله :
بَصِيرَةٌ
راجعا إلى الجماعة ، والله أعلم . وجواب ثان قوله :
بَصِيرَةٌ
وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل ، حتى لا يعزب عنه شيء ، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة ؛ كقولك : فلان علامة ونسابة ، وراوية للشعر ، وبالغة في النحو . والثالث : أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر
هامش
( 1 ) في ب : كسب .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 343 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم