تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
[ البقرة : 257 ] ، ولم يقتض قوله :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
كونهم في الظلمات ، ولا اقتضى قوله :
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
كونهم في النور ، فيخرجهم منه ، وإن كان في الظاهر يؤدي ذلك ؛ فعلى ذلك قوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
وإن كان في الظاهر يقتضى حيلولة ومنعا ، فليس في الحقيقة إثبات منع . ويذكر غير هذا في سورة المدثر . ثم قوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
معناه : لا تجازهم بصنيعهم ، ولا تستعجل عليهم بالدعاء ؛ بل أمهلهم قليلا
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 137 ] . وقيل في الفرق بين النّعم « 1 » والنّعمة : إن النّعمة ما يعطى للعبد إرادة استدراجه فيها وهلاكه ، كقوله - عزّ وجل - :
وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ
[ الدخان : 27 ] ، والنعم هي منة الله تعالى على عباده ؛ تفضلا عليهم ، كقوله ،
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
[ لقمان : 20 ] ، والله أعلم . قوله - عزّ وجل - :
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً . وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً
. قال ابن عباس - رضي الله عنه - : الأنكال هي السلاسل والقيود « 2 » . وقال أبو بكر الأصم : الأنكال : ما ينكل به ويعتبر به غيره ؛ قال الله تعالى :
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً
[ البقرة : 66 ] تأويله ما بين يديها من القرى « 3 » وما خلفها من القرى أيضا . فإن كان على ما ذكره أبو بكر الأصم فقد يكون في الدنيا ، ويكون منصرفا إلى يوم بدر [ وكأن الأول أشبه . والجحيم : هو معظم النار . ثم في هذه الآية دلالة نبوة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، وآية رسالته ] « 4 » لأن قوله :
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً
راجع إلى قوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ
، فإن لهم لدينا أنكالا وجحيما ، وإنما ينكلون ويعذبون بالجحيم إذا ماتوا على الكفر ؛ ففيه إبانة أنهم يموتون وهم كفار ، وعلى ذلك ماتوا ، وختم أمرهم ، ولم يسلم منهم أحد ؛ فيخرج ما أخبر عن غيب كما أخبر ، وذلك لا يعلم إلا بالله - تعالى - فثبت أنه لم يخترعه من تلقاء نفسه ، بل علم
هامش
( 1 ) في ب : النعمة . ( 2 ) وهو قول عكرمة أيضا أخرجه ابن جرير ( 35254 ، 35257 ) وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 446 ) وعن قتادة ومجاهد وحماد وطاوس والحسن مثله . ( 3 ) في أ : قرى . ( 4 ) سقط في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 283 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم