وقوله - عزّ وجل - :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
.
قال بعضهم :
الصَّالِحُونَ
هم المؤمنون و
دُونَ ذلِكَ
هم الكافرون .
ويشبه أن يكون
الصَّالِحُونَ
، و
دُونَ ذلِكَ
ليس على الإيمان والكفر ؛ لأن هذا قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله :
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ
، ولو كان التأويل على ما ذكروا ، لكان يقع موقع التكرار ؛ ولكن تأويله عندنا :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ
، أي : منا من عرف بالصلاح والستر ،
وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
وهم الفسقة ؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي ، وفيهم الفاسق المفسد في دينه ؛ قال الله تعالى :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ
[ النور : 32 ] ، ولو لم يكن منا غير صالح ، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى ، وكقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق : 2 ] ، فلو لم يكن منا أهل فسق ، لما قال « 1 » هذا .
وقوله - عزّ وجل - :
كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً
.
أي : أهواء متفرقة ، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون ، وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح ؛ لأن أهل الأهواء كلّ [ يظن ] في نفسه : أنه هو المحق ، وغيره على الباطل ، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له ، ويرتكب ما نهي عنه ، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل ؛ وإن كان كذلك ، ظهر الدون فيه ، وظهر الصالح ، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب ؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصالح .
ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء ، والقدد : القطع ، يقال : قدّه ، أي : قطعه ، فمعناه :
أنا كنا على مذاهب متفرقة ، وأهواء متشتتة ، ففي الآية أن في الجن أهواء متفرقة ، كما [ أن ] « 2 » ذلك في الإنس ، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب والدين الفكر والاجتهاد [ ليتوصل به ] « 3 » إلى الحق ، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة ، ويزيغ عنه أخرى ؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم ، ومنهم من زاغ عنه .
ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد ، وهو الفكر ، وله الاجتهاد ، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس ؛ إذ عن المتشابه يتولد الزيغ ؛ لذلك تفرقوا على أهواء [ متفرقة ] « 4 » مختلفة ، وأما أسباب الفسق مجتمعة ، فتعرف بالمعاينة ، فيظهر الأدون والأرفع في الدين .
هامش
( 1 ) في أ : لم يقل .
( 2 ) سقط في ب .
( 3 ) في أ : المتوصل .
( 4 ) سقط في ب .