أو يجعل عمله للآخرة « 1 » رأس ماله ، وما رزق من الأموال ينفقها في سبيل الله ، ويجعل ذلك رأس ماله .
وذكر عن وكيع أنه قال : بلغنا أن [ المراد ] الذين أسلفوا الصوم « 2 » ؛ أي : أنهم صاموا في الدنيا وتركوا الطعام والشراب ، فأثابهم الله في الآخرة فقال :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً
.
قوله تعالى :
[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 25 إلى 37 ]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 )
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 )
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ
والإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء ، فتمنى ألا يؤتى بما فيه علم شقائه .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ
يقول هذا في الوقت الذي قرأ ورأى فيه خلاف ما كان يظن في الدنيا ويحسب ؛ لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعا من الذين آمنوا ، وأقرب منزلة إلى الله - تعالى - كما قال :
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 104 ] فظهر [ له بقراءته ] « 3 » الكتاب أنه لم يكن على ما حسب ؛ بل قد أساء صنيعه ؛ فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه ؛ لئلا تظهر مساوئه .
ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتا ولم يحي حتى كان لا يرى الحساب ولا يعرفه .
وقوله - عزّ وجل - :
يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ
أي : يا ليت الميتة الأولى
كانَتِ الْقاضِيَةَ
، أي : يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي .
وقال بعض أهل التأويل : يا ليت النفخة الآخرة كانت تقضي بالموت والهلاك ، لم تكن محيية باعثة ، والله أعلم .
وقال قتادة : تمنّوا الموت ، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه « 4 » ، ثم الموت عليهم مقضي ، وليس بقاض ، فحقه أن يقول : يا ليتها [ كانت مقضية ] « 5 » ؛ ولكن هذه
هامش
( 1 ) في ب : في الآخرة .
( 2 ) أخرجه ابن المنذر وابن عدي في الكامل ، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن رفيع ، كما في الدر المنثور ( 6 / 411 ) .
( 3 ) في ب : لهم بقراءتهم .
( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 34810 ) وعبد بن حميد ، كما في الدر المنثور ( 6 / 411 ) .
( 5 ) في ب : كانت القاضية ، أي : مقضية .