أمر ، ويدعوه إلى الطاعة ، بل ينظر إلى أمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ونهيه ؛ فيأتمر بأمره ، ويطيعه فيما يدعوه إليه ، وأما من كذبه ، فقد يدعوه إلى طاعته ؛ فخص « 1 » ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته ؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله :
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
أمرا بطاعة المصدق ؛ وهو كقوله - تعالى - :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
[ الإسراء : 31 ] ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله ، ولكنه خص تلك الحالة ؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل ، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق ، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه ، والله أعلم .
وقوله :
الْمُكَذِّبِينَ
هم المكذبون بآيات الله تعالى أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث .
ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال ؛ فكانوا يطمعون من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الإجابة لهم فيما يدعونه إليه ؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال ؛ فيكون النهي راجعا إلى ذلك [ الوقت ] « 2 » ، فأما بعد ما ظهرت منه الصلابة في الدين « 3 » والتشمير لأمر الله تعالى فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه .
وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ما ذكر من قوله :
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
والمداهنة هي [ الملاطفة والملاينة ] « 4 » في القول .
ثم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم ، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مطعنا ؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا ، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه ، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء ، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
[ الأنعام : 33 ] ، فأخبر - تعالى - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب ، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق ، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط ، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء ، وكذلك قال :
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
[ الأنبياء : 36 ] ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم .
هامش
( 1 ) في ب : فنخص .
( 2 ) سقط في ب .
( 3 ) في أ : اللين .
( 4 ) في ب : الملاينة والملاطفة .