تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
أحدهما : أنه لم يرجع عن الإيمان والتصديق لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه لا يعود إلى مثله بعد ذلك أبدا . والثاني : أنه لم يقصد بصنيعه مودتهم ؛ ولكن قصد إلقاء المودة إليهم ؛ ليقع عندهم أنه وادهم ، وهو في الحقيقة يلقي المودة ، وقد يكون ذلك كقوله - تعالى - :
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
[ الممتحنة : 1 ] ، واللّه أعلم . وإن كانت الآية في غير حاطب فهي للمؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله - تعالى - وثبتوا عليه ؛ لأن أهل الإيمان كانوا أصنافا ثلاثة : صنف محققون ، وصنف يظهرون القتال مع أعدائهم ، وصنف منهم لا يقدرون على إظهار ذلك والمناصبة معهم ، ولكن يتبعون الأقوياء منهم فأهل الصنف الثالث مترددون يوادون الكفرة في السر ، ويظهرون الموافقة للمؤمنين ؛ فجائز أن يكون قوله - تعالى - :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
، أي الذين يحققون الإيمان بالله - تعالى - واليوم الآخر [ لا ]
يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
؛ ولكن إنما يوادهم من لم يحقق الإيمان ؛ فيكون فيه إخبار عن إثبات الإيمان في قلوبهم كقوله - تعالى - :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
، أي : أثبت في قلوبهم الإيمان ؛ فلا يرجعون عنه ، وفيه أن الإيمان موضعه القلب . وفي حرف ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : ما كان لقوم يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يوادوا من حاد الله وقوله - عزّ وجل - :
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .
قيل : أيدهم بنور الإيمان الذي أثبت في قلوبهم ، وأخبر - عزّ وجل - أنه أثبت المؤمنين على الإيمان
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
[ إبراهيم : 27 ] ، وقال :
كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
[ إبراهيم : 24 ] . وقيل :
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
، أي : برحمة منه . ثم وصف ما أعد اللّه تعالى لهم في الآخرة فقال :
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ .
أي : جند اللّه ، على ما ذكرنا : أنهم يأتمرون بأمره ، ويقاتلون أعداءه ، ويوالون أولياءه ؛ فهم جند اللّه تعالى . وقوله - عزّ وجل - :
أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
قيل : هم الناجون ، وقيل « 1 » : الباقون في نعم اللّه - تعالى - واللّه أعلم بالصواب .
هامش
( 1 ) ذكره الطبري في تفسيره دون أن ينسبه لأحد ( 12 / 26 ) .