تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
عزّ وجل -
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
أو كلام نحو هذا . وعندنا أن قوله - عزّ وجل - :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
يخرج على ظاهر ما ذكر ؛ لأن الخلق : هو التقدير في اللغة كأنه قال - عزّ وجل - :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
أي : قدركم جميعا على كثرتكم من أول ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة منها قدرنا . وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
. ثم أخرجنا منها - من تلك النفس - زوجها ، وإلا كان تقديره إيانا منها كان قبل [ جعل ] زوجها منها وهو الظاهر على ظاهر ما خرج الكلام ، والله أعلم . ثم كان منه خلق ما ذكر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
. ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر ، لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل ، يقال : نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل ، فعلى ذلك هذا ، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى الله - عزّ وجل - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه ؛ نحو قوله - عزّ وجل - :
قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ
[ الأعراف : 26 ] ،
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
[ الحديد : 25 ] وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه ؛ فعلى ذلك قوله - عزّ وجل - :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ
، أي : خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ *
، أي : خلق لكم ما ذكر ، فعلى ذلك حرف الإنزال ، والله أعلم . ثم ظاهر قوله :
مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة : إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا ، فإن كان على هذا فيكون حرف
مِنْ
هاهنا صلة ، كأنه قال - عزّ وجل - : « وأنزل لكم أنعاما وهي ثمانية أزواج » . أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب : أنعاما ، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا الثمانية الأزواج التي ذكر ، فإن كان هذا فيكون حرف
مِنْ
حرف تبعيض وتجزئة . أو أن يسمي كل الدواب : أنعاما إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر ، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها ، وأما ما سوى ذلك من الأنعام ، فإنه لم يحل لنا