تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
بأحوالهم ، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء ، وعلى البعث بعد الموت ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 55 إلى 60 ]

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 ) وقوله :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
. قال بعض أهل التأويل « 1 » : يقسم المجرمون : إنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة ، وكذلك يقولون : في قوله :
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . . .
الآية [ المؤمنون : 112 ، 113 ] . لكن الأشبه أن يكون قوله :
يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
: الدنيا في المحنة ، لا في القبور ، استقصروا مقامهم في الدنيا ؛ تكذيبا لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي أنواع الكفر ؛ يقولون : إنا لبثنا في الدنيا وقتا لا يكون منا في مثل ذلك الوقت وتلك المدة الزلل والمعاصي ؛ ألا ترى أنهم قد كذبوا في إنكارهم طول المقام فيها ؛ حيث قال :
كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ
، أي : كذلك كانوا يكذبون في الدنيا أن لا بعث ولا حياة بعد الموت ولا حساب ، ولولا هذا التكذيب لهم على أثر قولهم :
ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
، وإلا كان الظاهر أنهم قد استقصروا المقام في الدنيا ؛ لطول المقام في الآخرة وشدة العذاب في ذلك وهوله ، لكنه - والله أعلم - ما ذكرنا أنهم يقسمون : إنهم ما لبثوا غير ساعة في الدنيا ؛ إنكارا وجحودا لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي ، يقولون : إنا لم نلبث في الدنيا إلا ساعة ، فكيف عملنا فيها هذا الزلل وأنواع الشرك والكفر ؛ فأخبر أنهم
كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ،
أي : كذلك كانوا يكذبون في الدنيا ويقسمون ؛ حيث قال :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
[ النحل : 38 ] فذلك القسم منهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذب وإنكار للمقام ، كما كذبوا وأنكروا الشرك ؛ حيث قالوا
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] .
هامش
( 1 ) قاله مقاتل والكلبي ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 488 ) .