فإن قيل : لم يصر ما ذكرت ؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل : الارتكاب فعلهم ؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك ؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد ، وعلى « 1 » قولهم يكون بالنهي عاصيا مضلّا ، وعندنا قوله :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
أي : يخلق فعل الضلال منهم ، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم .
وقوله - عزّ وجلّ - :
وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
.
هو ظاهر .
وقوله :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ
.
قد ذكرنا « 2 » .
وقوله : - عزّ وجل - :
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها
.
قال أبو بكر : دلّ قوله :
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها
أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام ؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها ، وهو الكفر بعد الإسلام .
وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله :
فَتَزِلَّ قَدَمٌ
بالخوف ،
بَعْدَ ثُبُوتِها
أي : بعد ما كانوا آمنين ؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون ، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون ، فيكون قوله :
فَتَزِلَّ قَدَمٌ
كناية عن الخوف ، والثبوت كناية عن الأمن ، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعد ما كانوا آمنين [ بها ] « 3 » ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) في ب : عليه .
( 2 ) قال الواحدي - رحمه الله تعالى - : « الدخل والدغل : الغش والخيانة » .
وقيل : الدخل : ما أدخل في الشيء على فساد ، وقيل : الدخل والدغل : أن يظهر الوفاء به ويبطن الغدر والنقض .
وقوله - تعالى - :وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْالآية لما حذّر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان مطلقا ، قال في هذه الآيةوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْوليس المراد منه التّحذير عن نقض مطلق الأيمان ، وإلّا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد ، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها .
فلهذا قال المفسرون : المراد : نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - عن نقض عهده ؛ لأنه قوله :فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهالا يليق بنقض عهد قبله ، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم على الإيمان به وبشرائعه .
ينظر : اللباب ( 12 / 149 ، 151 ) ، وعن الحسن بنحوه ( 21905 ) ، و ( 21906 ) ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 4 / 245 ) عن الحسن وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم .
( 3 ) سقط في أ .