وقوله - عزّ وجل - :
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ .
يحتمل قوله :
يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
، أي : يقبلوها ، لا على الإعطاء نفسه ، وهو ما ذكرنا في قوله :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ
[ التوبة : 5 ] هو على القبول لها ، لا على الفعل نفسه .
ويحتمل : نفس الإعطاء ، وهو - والله أعلم - لما جعلت الجزية لحقن الدماء ، فتقدم ؛ لتحقن بها الدماء .
وقوله :
عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
قال بعضهم :
عَنْ يَدٍ
، أي : لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها ؛ بل تؤخذ يدا بيد ، [ وقال بعضهم : عن يد ] « 1 » أي : عن قهر وغلبة .
وقيل :
عَنْ يَدٍ
، أي : عن طوع وطيب .
وقيل : عن جماعتهم .
لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة .
وقوله :
صاغِرُونَ
قيل « 2 » : ذليلون ، وهو من الذل ؛ يقال : صغر الرجل يصغر صغارا ، فهو صاغر ، أي : ذل ؛ فهو ذليل .
وقيل :
صاغِرُونَ
[ أي ] « 3 » : مذمومون .
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : يمشون بها متبلين « 4 » .
وأصله : الذلة ، وهو الخضوع - والله أعلم - الذلة التي ذكر الله في قوله :
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا
[ آل عمران : 112 ] ، فإذا قبلوا ذلك ، فقد أذعنوا بالذل والصغار .
وقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . .
الآية ، أما اليهود والنصارى : فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية ، أخذت منه وأقر على دينه .
وأمّا المجوس : فإنه تؤخذ منهم الجزية ؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : ما أدري ما أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين ، ولا من أهل الكتاب قال عبد الرحمن بن عوف : أشهد أني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » « 5 » .
هامش
( 1 ) سقط في أ .
( 2 ) ذكره بمعناه ابن جرير ( 6 / 349 ) ، وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 282 ) .
( 3 ) سقط في ب .
( 4 ) في أ : متلبين .
( 5 ) أخرجه مالك في الموطأ ( 1 / 278 ) في كتاب الزكاة باب جزية أهل الكتاب والمجوس ( 42 ) ، والشافعي ( 1182 ) ، والبيهقي ( 9 / 189 ) وابن أبي شيبة في المصنف ( 3 / 224 ، 12 / 243 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 10025 ) ، والطبراني في الكبير ( 19 / 437 ) وذكره الهيثمي في المجمع ( 6 / 13 ) وقال : رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه .