وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
وقد قال :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
الآية [ التوبة : 5 ] ، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [ بالإجارة ] « 1 » ، وفي هذه بالقتل والأسر ، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه ، وفي هذه بأن يقعد له « 2 » كل مرصد ، وحال هذه هي « 3 » حال الأولى في رأي العين ، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير ؛ لما ذكر ، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه ، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر ، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعا .
فقال أصحابنا : إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب ، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه ؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة ، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار .
ولو كان مقبلا نحو مأمننا ، كالطالب لأحد ، عليه أعلام الحرب ، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين « 4 » لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله ، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال ؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك ، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين ، وما ذكرت من الآية في لزوم ذلك الاعتبار ؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله ، والله أعلم .
ثم دل قوله :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
بعد العلم بأنه « 5 » من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [ مأمن كل من ] « 6 » مأمن الآخر ، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى « 7 » الدارين ؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر ؛ إذ به خوفه ؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا ؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل ، ويجب رده لو لم يجر ، ولم « 8 » يسع تعرضه لشيء من ذلك .
هامش
( 1 ) سقط في أ .
( 2 ) زاد في أ : في .
( 3 ) في أ : في .
( 4 ) في أ : والذين .
( 5 ) في أ : وأمنه .
( 6 ) سقط في أ .
( 7 ) في أ ، ب : أحد .
( 8 ) في أ : لا .