وعن ابن عباس في قوله :
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
[ النساء : 33 ] قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحمهم بالأخوة التي آخى النبي بينهم ، فلما نزل قوله :
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
، نسخها :
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
من النصر ، والنصيحة ، والرفادة ، ويوصي له ولا ميراث « 1 » .
وعن الحسن في قوله - تعالى - :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
فكان المسلمون يتوارثون بالهجرة ، فكان الأعرابي لا يرثه المهاجر ، والمهاجر لا يرثه الأعرابي ، فحرضهم بذلك على الهجرة ، حتى كثر المسلمون ، فأنزل الله - تعالى - :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ . . .
الآية ، فورث الأعرابي المهاجر وتوارثوا بالأرحام .
إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل ، وكانوا يرون أن الهجرة كانت مفترضة ، فزال فرضها بقول النبي - عليه السلام - : « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية » « 2 » .
وعن عائشة « 3 » - رضي الله عنها - قالت : انقطعت الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، فإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله ، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفيئوا عنه ، وقد أفشى الله الإسلام .
هذا الذي ذهب هؤلاء في قوله :
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
في التوارث [ محتمل ] « 4 » .
ويحتمل غير هذا ، وهو أن قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا . . .
إلى قوله :
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
[ أي : بعضهم أولياء بعض ] « 5 » في تمام الولاية ، في التناصر ، والتعاون ، والحقوق ، والديانة ، فهم أولى بعضهم ببعض من الذين آمنوا ولم يهاجروا ؛ لأنهم آمنوا وهاجروا ، أي : تركوا منازلهم وأهلهم وقراباتهم وبلدهم الذي كانوا فيه مقيمين ؛ إشفاقا على دينهم ، واستسلاما لهم ولأنفسهم ، والأنصار آووهم ، وأنزلوهم في منازلهم ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم ، وتحملوا جميع مئونتهم من غير أن كان سبق منهم إليهم شيء ، فصاروا لهم أعوانا وأنصارا ، فصار بعضهم أولياء بعض في تمام ما ذكرنا من الولاية : [
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا
، أي :
ما لَكُمْ مِنْ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 4580 ) وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم والبيهقي في سننه ، كما في الدر ( 2 / 268 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 2825 ) ومسلم ( 445 / 1353 ) عن ابن عباس .
( 3 ) أخرجه البخاري ( 3900 ) .
( 4 ) سقط في أ .
( 5 ) سقط في أ .