يحال بين المرء وبين التوبة بالموت .
والثاني : يحول بين المرء وقلبه بالأعمال التي يكتسبها ، ينشئ الفعل الذي يفعله طبع قلبه وختمه ، وينشئ ظلمة تحول بينه وبين ما يقصده ويدعى إليه ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .
قال بعضهم :
لا
« 1 » هاهنا صلة ؛ كأنه قال : « واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم
هامش
- ينظر : المصباح المنير ، ولسان العرب ، وتاج العروس مادة ( توب ) ، وتفسير روح المعاني ( 28 / 158 ) ، والقليوبي ( 4 / 201 ) ، وإحياء علوم الدين ( 4 / 3 ) ، ومدارج السالكين ( 1 / 305 ) .
( 1 ) في « لا » وجهان :
أحدهما : أنها ناهية ، وعلى هذا ، فالجملة لا يجوز أن تكون صفة ل « فتنة » ؛ لأن الجملة الطلبية لا تقع صفة ، ويجوز أن تكون محمولة لقول ، ذلك القول هو الصفة ، أي : فتنة مقولا فيها : لا تصيبن ، والنهي في الصورة للمصيبة ، وفي المعنى للمخاطبين ، وهو في المعنى كقولهم : لا أرينك هاهنا ، أي : لا تتعاطوا أسبابا يصيبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم ، ونون التوكيد على هذا في محلها ، ونظير إضمار القول قوله :
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
أي : مقول فيه : هل رأيت .
والثاني : أن « لا » ، نافية والجملة صفة ل « فتنة » ، وهذا واضح من هذه الجهة ، إلا أنه يشكل عليه توكيد المضارع من غير قسم ، ولا طلب ، ولا شرط ، وفيه خلاف : هل يجري المنفي ب « لا » مجرى النهي ؟ فقال بعضهم : نعم ؛ واستشهد بقوله :فلا الجارة الدنيا بها تلحينّها * ولا الضيف فيها إن أناخ محوّلوقال الآخر :فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه * وإن قال قرّظني وخذ رشوة أبىولا ذا بئيس يتركنّ لبؤسه * فينفعه شكو إليه إن اشتكىفإذا جاز أن يؤكد المنفي ب « لا » مع انفصاله ، فلأن يؤكد المنفي غير المفصول بطريق الأولى ، إلا أن الجمهور يحملون ذلك على الضرورة .
وزعم الفراء أن :« لا تُصِيبَنَّ »جواب للأمر ، نحو : انزل عن الدابة لا تطرحنك ، أي : إن تنزل عنها لا تطرحنك ، ومنه قوله تعالى :لا يَحْطِمَنَّكُمْأي : إن تدخلوا لا يحطمنكم ؛ فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء .
قال أبو حيان : وقوله« لا يَحْطِمَنَّكُمْ »وهذا المثال ، ليس نظير« فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ »؛ لأنه ينتظم من المثال والآية شرط وجزاء كما قدر ، ولا ينتظم ذلك هنا ؛ ألا ترى أنه لا يصح تقدير : إن تتقوا فتنة لا تصب الذين ظلموا ؛ لأنه يترتب على الشرط غير مقتضاه من جهة المعنى ؟ !
قال الزمخشري :« لا تُصِيبَنَّ »لا يخلو إما أن يكون جوابا للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة ل « فتنة » ، فإن كان جوابا فالمعنى : إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم .
قال أبو حيان : « وأخذ الزمخشري قول الفراء ، وزاده فسادا وخبط فيه » ، فذكر ما نقلته عنه ثم قال : « فانظر إليه كيف قدر أن يكون جوابا للأمر الذي هو : « اتقوا » ، ثم قدر أداة الشرط داخلة على غير المضارع « اتقوا » ، فقال : المعنى : إن أصابتكم ، يعني : الفتنة ؟ ! وانظر كيف قدر الفراء : انزل عن الدابة لا تطرحنك ، وفي قوله :ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْفأدخل أداة الشرط على مضارع فعل الأمر ، وهكذا يقدر ما كان جوابا للأمر » . -