وأهل الكفر ، والله أعلم .
ثم يقال : يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر والإعراض ، لا لنفس التولية عن الدبر ؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية أخرى ، والعفو عن ذلك ، وهو قوله - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا . . .
[ آل عمران : 155 ] الآية .
فإن قيل : لعل التوبة مضمرة فيه ، تابوا فعفا عنهم .
قيل : إن جاز أن تجعل « 1 » التوبة مضمرة فيها ، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر الردة ، فليست « 2 » تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة ، وفي الآية معان تدل على الإضمار ؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم - :
أحدها : ذكر التحيز إلى الفئة ، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها ، فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو ، فهو الردة التي ذكرنا .
والثاني : ما ذكر في بعض القصة « 3 » أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يديه ، فقال : « يا رب ، إن تهلك هذه العصابة ، فلن تعبد في الأرض أبدا » ، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال ، لم يول إلا لقصد ألا يعبد ، فهو كفر .
والثالث : قد وعد لهم النصر والظفر على العدو ، فمن ولى الدبر ، لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وعد لهم .
وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى .
قيل فيه بوجوه :
يحتمل قوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
، أي : لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل ، ولا عاملة في استخراج الروح ، ولا كانت قاتلة ، ولكن الله - تعالى - صيرها قاتلة مصيبة المقتل ، عاملة في استخراج الروح ؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل « 4 » ، ولا عملت في استخراج الروح .
هامش
( 1 ) في أ : يجعل .
( 2 ) في ب : فليس .
( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 188 ) ، ( 15747 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 308 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي عوانة وابن حبان وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن عباس .
( 4 ) في أ : القتل .