تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
وأيضا قول موسى :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ . . .
الآية ولو كان لا يجوز الرؤية لكان منه جهل بربه ، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعا لرسالته ، أمينا على وحيه . وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه ، وبدون ذلك قد نهى نوحا وعاتب آدم وغيره من الرسل ، وذلك لو « 1 » كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال : فإن استقر مكانه فسوف تراني . فإن قيل : لعله سأل آية ليعلم بها « 2 » ؟ قيل : لا يحتمل ذا ؛ لوجوه : أحدها : أنه قال :
لَنْ تَرانِي
، وقد أراه الآية . وأيضا أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت ؛ إذ قد أراه الآيات على ما ذكرنا ، وذلك
هامش
- التعليق ربط العدم بالعدم مع السكوت عند ربط الوجود بالوجود ، كان الرد هينا وهو خلاف المتبادر من اللغة ؛ لأنك إذا قلت : إن ضربتني ضربتك ، كان المراد منه الربط في جانبي الوجود والعدم معا ، لا في جانب العدم فقط . ومن معتمد أهل السنة في الجواز أيضا ، قوله تعالى :فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً[ الكهف : 110 ] وقوله تعالى :وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[ البقرة : 223 ] وقوله تعالى :لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ[ الرعد : 2 ] وقوله تعالى :قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ[ يونس : 45 ] وقوله تعالى :الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ[ البقرة : 46 ] فترى أهل السنة أن اللقاء في هذه الآيات بمعنى الرؤية . وبيان ذلك : أن اللقاء مشترك بين الوصول المكاني والوصول بالرؤية ، فيقال في الضرير : لقى الأمير ، إذا أذن له ، ويقال للبصير : لقيه ، بمعنى : رآه ، وما لقيه ، أي : ما وصل إليه ، والوصول المكاني محال على الله - تعالى - فيكون الوصول بمعنى الرؤية ، وهو المطلوب . قالت المعتزلة : ما ذكرتموه يتنافى وقول اللّه تعالى :فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ[ التوبة : 77 ] ، وبديهي أن المنافق لا يرى ربه ، وقوله تعالى :وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً[ الفرقان : 68 ] ، وقوله تعالى في معرض التهديد :وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ[ البقرة : 223 ] وهذا التهديد يتناول المؤمن والكافر ، والكافر لا يرى ربه . كذلك يتنافى وقوله - عليه الصلاة والسّلام - : « من حلف على يمين ليقتطع به مال امرئ مسلم لقي اللّه وهو عليه غضبان » ، ولا يعقل أن المراد : يرى ربه ؛ لأن ذلك وصف أهل النار . وأجابت أهل السنة : بأن اللقاء لغة : عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يمسه بسطحه ، يقال لقي هذا ذاك ، إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجسمين المدركين سببا لحصول الإدراك ، وحيث امتنع إجراء اللفظ على المماسة - وجب حمله على الإدراك المسبب عن اللقاء الذي هو سبب له ، وإطلاق السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز . وما ادعيتموه من الآيات والحديث لم يحمل على الإدراك ، وإنما يحمل على إضمار لفظ الحساب أو الجزاء للضرورة ، بخلاف ما ذكرناه ؛ فلا ضرورة لصرفه عن ظاهره ولا لإضمار هذه الزيادة ؛ فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله سبحانه وتعالى . ينظر الرؤية لعبد الفضيل طلبة ص ( 13 - 32 ) خ . ( 1 ) في ب : ولو . ( 2 ) في ب : لعلي سألت آية يعلم .