تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا
[ 150 ] الذي تحرمون أنتم من الوصيلة ، والسائبة ، والحامي ، وما حرموا من الحرث والأنعام
فَإِنْ شَهِدُوا
. أن الله حرّمه
فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ
. كيف قال :
هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ
دعاهم إلى أن يأتوا بالحجة ، فإذا أقاموها لا تشهد معهم ، لكن هذا - والله أعلم - أنهم يعلمون أن التحريم إلى الله ، ليس إلى أحد من الخلائق ، فإن شهدوا بأنه حرم ، فلا تشهد معهم ؛ فإنهم شهدوا بباطل . ويحتمل : أن يكون أمره أن يسألهم شهداء من أهل الكتاب يشهدون لهم بأن الله حرم هذا ؛ لأن هؤلاء كانوا أهل شرك ، وعبدة الأوثان يسألون أهل الكتاب وأهل الرسل يشهدون لهم بذلك ، فإن شهدوا فلا تشهد معهم أي : لا يشهدون « 1 » لهم بذلك ، فلا تشهد أنت - أيضا - معهم ؛ على الإخبار أنهم لا يشهدون ؛ وهو كقوله :
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ . . .
الآية [ الحشر : 12 ] ، أخبر عن المنافقين أنهم قالوا :
لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . . .
[ الحشر : 11 ] ثم أخبر عنهم أنهم
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ . . .
الآية ، لكنه أخبر أنهم لا يقاتلون رأسا ، وإلا لو نصروهم لا يولون « 2 » الأدبار ؛ فعلى ذلك قوله :
هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ
؛ لأنهم لا يشهدون ، والله أعلم . ويشبه أن يسألوا حتى يأتوا بآبائهم حتى يشهدوا ؛ لأنهم كانوا يقولون : إنا وجدنا عليها آباءنا ، والله أمرنا بها ، وإن الله رضي بصنيع آبائنا ؛ حيث لم يهلكهم ، وتركهم على ذلك ، فيسألون أن يأتوا بأولئك حتى يكونوا هم الذين يشهدون على ذلك ، فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا أبدا ؛ وهو كقوله :
وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ البقرة : 23 ] فلا يجدون أبدا . وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
. دل أن ما كانوا يحرمون إنما يحرمون بهواهم ، لا بحجة وبرهان .
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
.
هامش
( 1 ) في ب : تشهدون . ( 2 ) في أ : ليولون .