تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
وقال قوم :
وَالْفِتْنَةُ
هاهنا العذاب ، أي : قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار . وقوله :
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ .
أي : ليكون
الدِّينُ
دين اللّه في الأرض لا الشرك . و
الدِّينُ :
الحكم . وقوله :
فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ .
فإن قيل : فإذا صار الدين كله لله ، فلا ظالم هنالك ، فما معنى هذا الكلام ؟ قيل : يحتمل : أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد . ويحتمل : أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم . فإن قيل : فلم سمى عدوانا ، والعدوان هو ما لا يحل ؟ قيل : لأنه جزاء العدوان ، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدوانا ، فسمى باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة ؛ كقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] ، وكما سمى جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء ؛ فكذلك الأول . وقوله :
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ .
قيل « 1 » : خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها ، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثا ، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول ، فسميت عمرة القضاء ، فذلك تأويل قوله :
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
هذه الثانية صارت قصاصا بالأول . وقيل : إن [ في ] الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام ، ولا يقاتلون فيه ، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضا ، ولم يقاتلوا فيه ، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم ، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله :
وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا
[ البقرة : 217 ] ، كأنه قال : ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا . وقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم . وقوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ .
يحتمل :
وَاتَّقُوا
مخالفة اللّه .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 3136 ، 3144 ) ، وعن قتادة ( 3139 ) ، ومقسم ( 3140 ) ، وغيرهم . وانظر الدر المنثور ( 1 / 372 - 373 ) .