تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
والرفعة ، ومن كان وجيها في الدنيا والآخرة فهو مقرب فيهما . وقوله :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ :
عرفت مريم أن الولد يكون بمسّ البشر ، وعلمت - أيضا - أنها لا تتزوج ، ولا يمسّها بشر أبدا ؛ لأنها قالت :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك ، فلعله يمسّها في حادث الوقت ؛ فيكون لها منه الولد ، فلما لم يقل لها يمسسك ؛ ولكن قال :
كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبدا ؛ لأنها كانت محررة للّه ، مخلصة له في العبادة ، واللّه أعلم . ويحتمل قوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ
أي : من أي وجه يكون لي ولد بالهبة ؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولدا ، فقالت : من أي وجه يكون لي ولد بالهبة ،
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
؟ ثم قال :
كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
تأويله : ما ذكر في سورة مريم حيث قالت :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
الآية [ مريم : 20 ] الآية ، ثم قال :
كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
[ مريم : 21 ] أي : خلق الخلق علىّ هين : بأب ، وبغير أب ، وبمسّ بشر ، وبغير مسّ « 1 » ، [ وبسبب ، وبغير سبب ؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم ؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض ، وبغير توالد بعض من بعض ] « 2 » ؛ كخلق الليل والنهار ، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر ؛ فكذلك يخلق لك ولدا من غير أب ولا مسّ بشر ، وباللّه الحول والقوة . وقوله :
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ :
أي : إذا قضى أمرا بتكوين أحد ، أو بتكوين - فإنما يقول له : كن ، لا يثقل عليه ، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم ؛ كقوله :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] أي : خلق الخلق كلهم ابتداء ، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة ؛ أن يقول :
كُنْ فَيَكُونُ ؛
وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب ؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم ، فأمّا اللّه - سبحانه وتعالى - عن أن يشغله شغل ، أو يمنعه مانع ، أو يحجب عليه حجاب . وقوله :
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ :
ذكر - واللّه أعلم - هذا الحرف ؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه ، لا أن كان منه - عزّ وجل - كاف أو نون ، أو حرف ، أو هجاء ، أو صفة
هامش
( 1 ) في ب : مس بشر . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط من ب .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 372 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم