تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
هامش
- باللسان كما في قوله - تعالى - :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَوقوله عزّ وجل :قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُالآية فقد ثبت بهاتين الآيتين أن الإيمان ليس هو التصديق باللسان وإلا لما نفى عن هؤلاء المذكورين في الآيتين . والجواب على الدليل الثاني : أنه لا نزاع في كون المتلفظ بكلمة الشهادتين مؤمن لغة ، كما أنه لا نزاع في أن إيمانه هذا تترتب عليه الأحكام الشرعية ، والنزاع في كون مثل هذا المتلفظ الذي لم يصدق بقلبه مؤمنا حقا ؛ فأنتم تقولون إنه مؤمن حقا وإن كان غير ناج ، ونحن نقول إنه غير مؤمن حقا ، بل إيمانه ظاهري فقط . ما داموا يشترطون التصديق القلبي لإجراء الأحكام الأخروية فمن لم يصدق بقلبه وأقر بلسانه لا يدخل الجنة عندهم وكذا على مذهب الجمهور وإنما غلط الكرامية في تسمية مثل هذا مؤمنا حقا ، وطبعا هم لا يقولون بكفر من منعه مانع من الإقرار وإن كان لازما لمذهبهم . أدلة المعتزلة : استدل المعتزلة لمذهبهم بأربعة أدلة : الدليل الأول : أن فعل الواجبات هو الدين ؛ لقوله سبحانه وتعالى :وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. فإن قوله :وَذلِكَيعود على ما أمر به من الواجبات السابقة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ؛ فدل ذلك على أن فعل الواجبات هو الدين . وإذا ثبت هذا : فإن الدين هو الإسلام ؛ لقوله تعالى :إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، وكذلك فإن الإسلام هو الإيمان لقوله تعالى :وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُفلو كان الإيمان غير الإسلام لما قبل من مبتغيه مع أنه يقبل منه قطعا ، فثبت من هذا كله أن فعل الواجبات مساو للدين والدين مساو للإسلام والإسلام مساو للإيمان . إذن ففعل الواجبات مساو للإيمان . والجواب عن هذا الاستدلال أن اسم الإشارةوَذلِكَراجع إلى الإخلاص المذكور قبله في الآية فبطل بذلك قولهم : ( إن فعل الواجبات هو الدين ) ، وبطل بالتالي ما أدى إليه من القول بأن فعل الواجبات هو الإيمان ، ويؤيد رجوع اسم الإشارة إلى الإخلاص أنه مفرد فرجوعه إلى مفرد أولى من رجوعه إلى المأمور به من الطاعات لأنها متعددة ، وأيضا فهذه الطاعات مؤنثة واسم الإشارة مذكر . الدليل الثاني : استدل المعتزلة ثانيا بقوله تعالى :وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْأي صلاتكم إلى بيت المقدس ، فدلت الآية على أن الصلاة إيمان أي جزء منه . يجاب عن هذا الاستدلال بأن المراد تصديقكم بوجوبها ، والمعنى : وما كان الله ليضيع تصديقكم بوجوب الصلوات الخمس التي توجهتم بها إلى بيت المقدس . ولو سلم جاز أن يكون ذلك مجازا من باب إطلاق الإيمان على ما يدل عليه من الصلاة ، والمجاز أولى من النقل الذي هو لازم مذهبكم ، إذ الإيمان معناه في اللغة التصديق ، فإذا كان المراد منه الصلاة فقد نقل من معناه اللغوي إلى معنى آخر . الدليل الثالث : قوله - عزّ وجل - في قاطع الطريق :ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌفقد دل بذلك على أن قاطع الطريق ليس بمؤمن ؛ لأن المؤمن لا يخزى ؛ لقوله تعالى :يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُويؤيد هذا الدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزنى الزاني وهو مؤمن » فدل ذلك على أن ترك المنهيات من الإيمان . والجواب أن عدم الإخزاء في هذا اليوم خاص بالنبي وأصحابه فلا يعم المؤمنين جميعا وليس في الصحابة قاطع طريق ، ويصح أن يكون قوله تعالىوَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُمستأنفا خبرهيَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْوحينئذ جاز أن يكون المؤمن مخزيا لأن عدم الإخزاء على هذا خاص بالنبي . -