عظمتها وذروة قوتها في ميادين السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة جميعا .
لقد كانت الدولة الإسلامية في تلك الفترة الدولة الكبرى والأولى والأقوى في العالم كله ، وقد ازداد اختلاط عناصر السكان فيها بعضهم ببعض ، وظهرت في الحياة العامة أخصب النزعات الاجتماعية والفكرية والدينية على صعيد واحد . . وزادت في الوقت نفسه أعداد المسلمين في الدولة مقابل الأديان الأخرى ، وغدا المسلمون بصورة عامة أكثر من نصف السكان « 1 » .
وبلغ اقتصاد الدولة ذروة قوته وازدهاره ، حتى بلغت الأموال في خزائن الرشيد ما يقرب من 72 مليون دينار ، عدا الضريبة العينية التي كانت تؤخذ مما تنتجه الأرض من الحبوب ، وحق للرشيد أن يخاطب السحابة قائلا :
اذهبي حيث شئت يأتيني خراجك « 2 » .
ومع ذلك ، فإن عهد هارون الرشيد لم يخل من الفتن والأزمات :
فقد خرج في زمنه يحيى بن عبد الله بن الحسن العلوي ب « الديلم » يدعو لنفسه ، فقويت شوكته ، والتف حوله الشيعة ، فبعث إليه الرشيد ، ففت في عضده ، فطلب الصلح من الرشيد ، فصالحه ، ثم أمنه ، ثم حبسه حتى مات « 3 » .
وخرج الوليد بن مطرف الشاري وحقق انتصارات على جيوش الرشيد ، وأفسد في الأرض ، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فهزم الوليد وقتله « 4 » .
وفي عهد الرشيد لم تكف حركات البربر في إفريقية ؛ رغبة في الخروج عن الحكم العباسي ، ولكن الرشيد بعث إليهم هرثمة بن أعين فقضى على هذه الحركات ، وعمل الرشيد على قيام دولة الأغالبة لصد هجمات البربر والوقوف في وجه دولة الأدارسة ، لكن
هامش
- خلاصة الذهب المسبوك ( 77 ، 99 ) ، سراج الملوك ( 51 ) ، تاريخ بغداد ( 14 / 5 - 13 ) رقم ( 7347 ) ، الفتوح لابن أعثم ( 8 / 243 - 286 ) ، عيون الأخبار ( 1 / 17 ) ، البدء والتاريخ ( 6 / 101 - 107 ) ، نثر الدر ( 29 - 37 ) ، تاريخ خليفة ( 437 ) ، أنساب الأشراف ( 3 / 94 ) ، تاريخ الطبري ( 8 / 230 ) ، المعارف ( 381 ) ، الأخبار الطوال ( 386 ) تاريخ اليعقوبي ( 2 / 387 ) ، المعرفة والتاريخ ( 1 / 161 ) .
( 1 ) أزمنة التاريخ الإسلامي ، د / عبد السلام الترمايني ( 1 / 431 ، 432 ) .
( 2 ) حسن إبراهيم ( 2 / 62 ) .
( 3 ) ينظر : تاريخ الطبري ( 1 / 54 - 55 ) ، والنجوم الزاهرة ( 1 / 80 ) .
( 4 ) ينظر : تاريخ الإسلام السياسي ( 2 / 45 ) .