تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
قوله تعالى :
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ؛
قيل : إنّهم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة ، فلمّا نزل فيهم ما نزل ، عاهدوا اللّه أن لا يعودوا لمثلها . وقال قتادة : ( هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر ، ورأوا ما أعطى اللّه أهل بدر من الكرامة والفضيلة ، فقالوا : لئن أشهدنا اللّه قتالا لنقاتلنّ ، فلمّا كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد ) « 1 » . ومعنى الآية : ولقد كانوا عاهدوا اللّه من قبل غزوة الخندق
( لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ )
أي لا ينهزمون ولا يولّون العدوّ ظهورهم . وقوله تعالى :
وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا
( 15 ) ؛ أي مطالبا مسؤولا عنه محاسبا عليه ، يسألون عنه في الآخرة . ثم أخبر اللّه أنّ الفرار لا يزيدهم في آجالهم ؛ فقال :
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ؛
أي من حضر أجله مات أو قتل ، فكلاهما مكتوب عليكم . وقوله تعالى :
وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
( 16 ) ؛ أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتّعوا إلّا قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين . والمعنى : لا تمتّعون بعد الفرار في الدّنيا إلّا مدّة أجلكم . ثم أخبر اللّه تعالى أنّ ما قدّره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم ، قوله تعالى :
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ ؛
أي من الذي يجيركم ويمنعكم من اللّه ،
إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً ؛
أي هلاكا وهزيمة ،
أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ؛
أي خيرا وهو النصر . وهذا كلّه أمر للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخاطبهم بهذه الأشياء . ثم أخبر اللّه أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من اللّه ، فقال تعالى :
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
( 17 ) . قوله تعالى :
* قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ؛
قال المفسّرون : هؤلاء قوم من المنافقين ، كانوا يبطئون المجاهدين ويمنعونهم عن الجهاد . يقال : عاق يعوق ؛ إذا منع ، وعوّق إذا اعتاد المنع ، وعوّقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 21642 ) .