تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
أنا وخبّازك ، فرأينا فيها رؤيا فقصصناها على رجل في السجن عالم صالح صادق ، فأخبرنا بها فكان كما أخبر ، فأرسلون إليه . فأرسلوه فدخل السجن وقال :
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ؛
وحذف كلمة النداء اختصارا ، والصّدّيق : الذي يجري على عاداته في الصّدق والتصديق بالحقّ . قوله تعالى :
أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ ؛
خرجن من نهر بيت تبعهنّ
يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ ؛
بقرات ،
عِجافٌ ؛
هالكات من الهزال ، وفي
وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ؛
التوين على الخضر وغلبن خضرتهن . قوله تعالى :
لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
( 46 ) ؛ أي لأن أرجع بتأويل ذلك إلى الملك والناس يعلمونه . فقال له يوسف : أما سبع بقرات سمان فهي سبع سنين خصبة ، وأما سبع بقرات عجاف فهي السّنون السّبع الجدبة ، وأما سبع سنبلات يابسات فهو القحط والغلاء في السّنين الجدبة ، ثم علّمه يوسف عليه السّلام كيف يصنعون ، كما قال اللّه تعالى :
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ؛
أي على ما هو عادتكم في الزراعة ، وقيل : معنى قوله
( دَأَباً )
بجدّ واجتهاد . قوله تعالى :
فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ؛
أي فما حصدتم من الزّرع ، فاتركوه في سنبله ولا تدرسوه ،
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
( 47 ) ؛ من ذلك في كلّ سنة ، وإنما أمرهم بهذا ؛ لأن الحنطة إذا كانت في سنبلها كانت أبقى منها إذا درست ، فإنّها إذا درست تآكلت ، وفسدت بمضيّ المدّة عليها . قوله تعالى :
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ ؛
أي قحطة ضيّقة على الناس ، تأكلون فيها ما ادّخرتم من زروع السّنين الخصبة ،
يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
( 48 ) ؛ إلّا شيئا قليلا تحصنونه في موضع من المواضع ، ونسب الأكل إلى السّنين القحط على التوسّع ؛ لأن الأكل كان يقع فيها . قوله تعالى :
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
( 49 ) هذا خبر من يوسف عليه السّلام عما لم يكن في رؤيا الملك ، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه اللّه إياه ، كما قال قتادة : ( زاده اللّه علما سنة لم يسألوه عنها ) .