تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
قرأ أهل مكّة والبصرة ( بالعدوة ) بكسر العين ، وقرأ الباقون بضمّها وهما لغتان مشهورتان كالكسوة والكسوة والرّشوة والرّشوة ، وكذلك قوله تعالى :
( مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ )
قرأ نافع والبزي وخلف ( حيي ) بيائين مثل ( حيي ) على الأصل « 1 » ، وقرأ الباقون بياء واحدة مشدّدة على الإدغام ، ومعنى
( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ )
أي ليموت من مات عن بيّنة رآها وعبرة عاينها ، أو حجّة قامت عليه ، وكذلك حيوة من يحيى لوعده
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 2 » . قوله عزّ وجلّ :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ؛
قال ابن عبّاس : ( وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رأى العدوّ قليلا في المنام ، فقصّ رؤياه على أصحابه ، فلمّا التقوا ببدر قلّل اللّه المشركين في أعين المؤمنين تصديقا لرؤيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ) ،
وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ؛
أي لجبنتم وتأخّرتم عن الصّفّ ولاختلفتم في أمر الحرب ، والفشل هو ضعف مع الوجل . قوله تعالى :
وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
التّنازع أن يحاول كلّ واحد من الاثنين أن ينزع صاحبه مما هو عليه ،
وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ؛
أي سلّمكم من ذلك ،
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
( 43 ) ؛ أي بما في قلوبكم ، علم أنّكم لو علمتم كثرة عدد المشركين لرغبتم عن القتال . قوله :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
( 44 ) ؛ وذلك أنّ اللّه تعالى قلّل المشركين في أعين المسلمين ليتجرّأ المسلمون على قتالهم ، وقلّل المسلمين في أعين المشركين كيلا يستعدّ المشركون لحربهم كلّ الاستعداد . روي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : ( قلت لرجل بجنبي : أتراهم تسعين رجلا ؟ قال : هم قريب من المائة ، فلمّا أسرنا رجلا منهم سألناه عن عددهم ، قال : كنّا ألفا أو تسعمائة وخمسين ) « 3 » .
هامش
( 1 ) في المخطوط : رسم الناسخ : ( سائر مثل حسي على الأصل ) وهو تصحيف ، والصحيح كما أثبتناه . وضبطت القراءة كما في كتاب الحجة للقراءات السبعة للفارسي : ج 2 ص 293 ، والجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 22 . ( 2 ) الإسراء / 15 . ( 3 ) عند الطبري والقرطبي وفي الدر المنثور : ( ( سبعين ) ) . أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12539 ) .