روي : أنّ الأخنس خرج من عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فمرّ بزرع فأحرقه ؛ وبحمار فعقره ؛ فنزلت هذه الآية بما فيها من الوعيد ، فحسبه جهنّم « 1 » ، وصارت عامة في جميع المفسدين . وقيل : معنى الآية :
( لِيُفْسِدَ فِيها )
أي ليوقع الفتنة بين الناس فيشتغلوا عن الزراعة وعن أعمالهم ، فيكون في ذلك هلاك الحرث والنسل . وقيل : يخيف الناس حتى يهربوا من شرّه ، فيخرّب الضّياع وينقطع نسل الناس والدواب .
وفي هذه الآية تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه الرجل من حلاوة المنطق ، وأمر بالاحتياط في أمر الدين والدنيا حتى لا يقتصر على ظاهر أمر الإنسان خصوصا فيمن هو ألدّ الخصام ؛ ومن ظهرت منه دلائل الريبة . ولهذا قالوا : إنّ علينا استبراء حال من نراه في الظاهر أهلا للقضاء والشهادة والفتيا والأمانة ، وأن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل عنهم ويبحث عن أمرهم ، إذ قد حذّر اللّه تعالى أمثالهم في توليتهم على أمور المسلمين ؛ ألا ترى أنه عقّبه بقوله :
( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها )
فيحتمل أن يكون المراد بالتولّي : أن يتولّى أمرا من أمور المسلمين ، فأعلم اللّه بهذه الآية أنه لا يجوز الاقتصار على الظاهر دون الاحتياط والاستبراء .
قوله عزّ وجلّ :
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ؛
أي إذا قيل لهذا المنافق : احذر عقوبة اللّه ولا تفسد ، أخذته المنعة والحميّة والأنفة بسبب الإثم الذي فيه والكفر الذي في قلبه ؛ يعني أنه تكبّر وقال : أمثلي يقال له : اتّق . ويقال :
حملته العزّة على فعل ما يوجب الإثم .
وقوله تعالى :
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ؛
أي كفاه النار في الآخرة عقوبة ونكالا . قوله تعالى :
وَلَبِئْسَ الْمِهادُ
( 206 ) ؛ أي لبئس القرار النار .
والمهاد : الفراش الموطئ للنوم كما يمهد للطفل ؛ فلما كان المعذّب يلقى في نار جهنم ، جعل ذلك مهادا له على معنى : أنّ جهنم للكافر مكان كالمهاد للمؤمن في الجنة .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري عن السدي في جامع البيان : الأثر ( 3140 ) . ولم يثبت أن الأخنس أسلم . قاله ابن عطية في التفسير .