يحاسبه خاصة ، لا يشغله شيء عن شيء . ومعنى الحساب : تعريف اللّه تعالى عباده مقادير الخير على أعمالهم ، وتذكيره إياهم بما قد نسوه . يدلّ عليه قوله تعالى :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
« 1 » . وقيل : معناه سريع الحساب ؛ أي سريع المجازاة ، وفيه إخبار عن سرعة فناء الدنيا وقيام الساعة .
قوله عزّ وجلّ :
* وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ؛
يعني اذكروا اللّه تعالى بالتكبير إدبار الصلوات وعند الجمرات ، يكبر مع كلّ حصاة ؛ وغيرها من الأوقات . واختلفوا في الأيام المعدودات ؛ فروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء والضحاك والنخعي : ( أنّ الأيّام المعدودات : أيّام التّشريق ؛ والأيّام المعلومات : أيّام العشر من ذي الحجّة ) « 2 » ؛ وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . وروي أيضا عن ابن عباس : ( أنّ الأيّام المعدودات : أيّام العشر ، والأيّام المعلومات : أيّام النّحر ) .
ولا شكّ أن في هذه الرواية غلطا وهي خلاف الكتاب ؛ لأنّ اللّه تعالى عقّب الأيام المعدودات بقوله :
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ؛
وليس في العشر حكم بتعليق يومين دون الثالث . وعن أبي يوسف : ( أنّ المعلومات : أيّام النّحر ، والمعدودات : أيّام التّشريق ) ؛ قال هذا القول استدلالا من الآيتين ؛ لأنّ اللّه تعالى قال في ذكر الأيام المعلومات :
عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
« 3 » . وقال في هذه الآية :
( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ،
فيوم النّحر على هذه الرواية من المعلومات دون المعدودات ؛ وآخر أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات ؛ واليوم الثاني والثالث من أيام النحر من المعلومات والمعدودات جميعا .
والجواب عن استدلال أبي يوسف من الآيتين : أنّ لفظ المعلومات يقتضي الشّهرة ، ولفظ المعدودات يقتضي تقليل العدد كما في قوله :
دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
« 4 » فاقتضى الظاهر أنّ المعدودات أقل من المعلومات ؛ ويحتمل أن يكون معنى
عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ
هامش
( 1 ) المجادلة / 6 .
( 2 ) أخرجه الإمام الطبري في جامع البيان : النص ( 3086 - 3089 ) .
( 3 ) الحج / 28 .
( 4 ) يوسف / 20 .