ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
يقول : لما طلعت الشمس دلت عليه وعلى معناه . وكلّ الأشياء تعرف بأضدادها ، فلولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة ، ولولا الحق ما عرف الباطل . وهكذا سائر الألوان والطّعوم ، قال اللّه عزّ وجل :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 )
[ الذاريات : 49 ] يريد به ضدين :
ذكرا وأنثى ، وأسود وأبيض ، وحلوا وحامضا ، وأشباه ذلك .
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
يعني الظّل الممدود بعد غروب الشمس ، وذلك أنّ الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود ، وذلك وقت قبضه .
وقوله :
قَبْضاً يَسِيراً
أي : خفيا ، لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة ، ولا يقبل الظلام كلّه جملة ، وإنما يقبض اللّه جلّ وعزّ ذلك الظل قبضا خفيّا شيئا بعد شيء ، ويعقب كلّ جزء منه يقبضه بجزء من سواد الليل حتى يذهب كلّه .
فدلّ اللّه عزّ وجل بهذا الوصف على قدرته ولطفه في معاقبته بين الشمس والظل والليل ، لمصالح عباده وبلاده .
وبعضهم يجعل قبض الظل عند نسخ الشمس إياه ، ويجعل قوله
قَبْضاً يَسِيراً
أي : سهلا خفيفا عليه .
وهو وجه ، غير أن التفسير الأول أجمع للمعاني وأشبه بما أراد .
في سورة يس
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 )
[ يس : 38 ] .
قوله :
تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
أي : إلى مستقر لها ، كما تقول : هو يجري لغايته وإلى غايته .
ومستقرّها : أقصى منازلها في الغروب ، وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع ، فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه .
وقرأ بعض السلف : والشمس تجري لا مستقر لها والمعنى أنها لا تقف ، ولا تستقر ، ولكنها جارية أبدا .
وقوله :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
يريد : أنه ينزل كل ليلة منزلا ، ومنازله ثمانية