النبيّ صلّى اللّه عليه واله دخلوا عليه والحزن ظاهر في وجوههم ، فجثوا « 1 » بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فقالوا : نفديك بالآباء والأمّهات ، إنّا نسمع في عليّ كلاما قد أحزننا ! وإنّا نستأذنك في الردّ عليهم .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : وما عساهم أن يقولوا [ في أخي ] « 2 » وابن عمّي عليّ بن أبي طالب ؟
فقالوا : يا رسول اللّه ، إنّهم يقولون : وأيّ فضيلة لعليّ في سبقه إلى الإسلام ؟ إنّما أدركه وهو طفل صغير ! ونحوا من هذا الكلام « 3 » والنكت .
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه واله : هذا الذي يحزنكم ؟ فقالوا : نعم .
فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه واله : هل علمتم من الكتب الأولى أنّ إبراهيم هرب من نمرود وهو حمل ، فوضعته امّه بين أثلاث بشاطئ نهر يتدفّق ، بين غروب الشمس وإقبال النهار . فلمّا وضعته واستقرّ على وجه الأرض قام من تحتها يمسح التراب عن وجهه ورأسه ويكثر من الشهادة بالوحدانيّة ، ثمّ أخذ ثوبا وتوشّح به وامّه تراه ، فلمّا رأته فزعت منه فزعا شديدا ، ثمّ هرول بين يديها ناظرا إلى السماء ، فكان منه ما قال اللّه تعالى لمّا رأى كوكبا ، ثمّ لمّا رأى الشمس والقمر ، فقال اللّه :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
« 4 » .
وعلمتم أنّ موسى بن عمران كان فرعون في طلبه ، وقد شقّ بطون النساء الحوامل وذبح الأطفال والأولاد ليقتل « 5 » موسى ، فلمّا ولدته امّه أمرت أن تأخذه من تحتها وتجعله في التابوت ، ثمّ تلقيه في اليمّ . فبقيت متحيّرة حتّى كلّمها وقال : يا امّي ، ألقيني في التابوت واقذفيني في اليمّ .
فقالت وهي فزعة من كلامه : إنّي أخاف عليك الغرق . فقال لها : لا تخافي ولا تحزني ، إنّ اللّه رادّني إليك . ثمّ إنّها فعلت ذلك ، فبقي في التابوت واليمّ إلى أن قذفه اليمّ إلى الساحل ، لا يطعم طعاما ولا يشرب شرابا . وروي أنّ المدّة كانت سبعين يوما ، وروي سنة ، وقال اللّه في حال طفوليّته :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ
« 6 » .
پاورقی
( 1 ) . جثا : جلس على ركبتيه .
( 2 ) . سقطت من « ألف » .
( 3 ) . « ألف » : ذلك الكلام .
( 4 ) . سورة الأنعام ، الآية 75 .
( 5 ) . « ب » : لقتل .
( 6 ) . سورة طه ، الآيتان 39 - 40 . وفي « ألف » و « ب » : هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه .